يصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا يشرح دور المعادن الحرجة وأهميتها الاقتصادية في ظل السباق العالمي للتحول الطاقي. يشير التحليل إلى أن العالم يسعى لإعادة تشكيل منظومة الإنتاج والاستهلاك بما يتماشى مع الاستدامة ومواجهة تغيّر المناخ. في قلب هذا التحول تقف المعادن الحرجة باعتبارها العمود الفقري للصناعات الخضراء والتكنولوجيات النظيفة التي تبني ملامح الاقتصاد العالمي الجديد. وتربط هذه المعادن بشكل مباشر بين تطلعات التنمية والقدرة على توفير طاقة نظيفة بأسعار مناسبة.
أطر تعريف المعادن الحرجة
يبرز التحليل تعريفين رئيسيين للحرجية. المعيار الأول هو الأمن والسيطرة على الإمداد، حيث تكون المعادن ذات أهمية اقتصادية عالية ونادرة وتؤدي إلى اعتماد كبير على الاستيراد. المعيار الثاني هو الاستفادة الاستراتيجية، حيث تكون المعادن وفيرة وتملك الدولة مصلحة في امتلاك ميزة في سلسلة الإمداد العالمية. وتختلف الحرجيّة باختلاف الدول والسياقات وتُؤطرها اعتبارات المخاطر والتقلبات والإطار الاستراتيجي الوطني.
الطلب والقدرة على التوريد
وتوضح النتائج أن المعادن الحرجة تعد مكونات أساسية في حياة العصر الحديث، من التلفزيون إلى الهواتف المحمولة ومن الطاقة المتجددة إلى التقنيات الطبية. وتحتاج مشاريع الطاقة المتجددة إلى أكثر من 10 معادن رئيسة، بينما تحتاج السيارات الكهربائية إلى 8 معادن أساسية على الأقل. كما أن نحو 42 معدناً أساسياً مطلوب للأجهزة الرقمية الناشئة وتقنيات المعلومات والتنقل. وتُعد هذه المعادن ضرورية أيضاً لقطاع الرعاية الصحية والطب كعناصر في علاجات ومعدات التصوير الطبي.
يؤكد التحليل أن المعادن الحرجة ضرورية للانتقال إلى الطاقة المتجددة، وأن اعتماد تقنيات الطاقة النظيفة يتطلب نشرًا أسرع لمراحل الانتقال من التوربينات والطاقة الشمسية إلى المركبات الكهربائية وبطاريات التخزين. وتساند هذه التقنيات الطلب المتزايد على النحاس والكوبالت والليثيوم والنيكل والعناصر الأرضية النادرة. وتساهم هذه الاتجاهات في تعزيز التنمية المستدامة وتحقيق أهداف خفض الانبعاثات والاعتماد على مصادر طاقة صديقة للبيئة. وتدفع التحديات المرتبطة بإنتاج المعادن وتوفيرها الدول إلى إعادة ترتيب استراتيجياتها في قطاع التعدين والصناعة.
توزيع الطلب وآفاقه
شهد الطلب على المعادن الحرجة نموًا قويًا في عام 2024؛ فارتفع الطلب على الليثيوم بنحو 30%، كما زاد الطلب على النيكل والكوبالت والجرافيت والمعادن الأرضية النادرة بنسب تراوحت بين 6% و8% خلال العام نفسه. وعلى الرغم من تباطؤ انتشار المركبات الكهربائية في بعض الأسواق، استمرت تقنيات الطاقة في دفع نمو الطلب على المعادن المستخدمة في البطاريات في نسبة تتراوح بين 65% و90% من إجمالي النمو خلال العامين الماضيين. وتجاوز نمو العرض نمو الطلب، مدفوعًا رئيسيًا بجهود الصين وإندونيا وأجزاء من إفريقيا.
أظهر التوسع السريع في إنتاج المعادن المستخدمة في البطاريات قدرة قطاع التعدين على إضافة طاقات إنتاجية جديدة بوتيرة أسرع مقارنة بالمعادن التقليدية. وجاء معظم النمو في الإنتاج خلال السنوات الأخيرة من منتجين كبار مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية في إنتاج الكوبالت، وإندونيا في إنتاج النيكل، والصين في الجرافيت الطبيعي والليثيوم، مع مساهمة ملحوظة من منتجين جدد مثل الأرجنتين وزيمبابوي في الليثيوم. أما المواد المكررة فارتفع إنتاجها بوتيرة أسرع من المواد الخام بفضل قدرات المعالجة لدى الصين وإندونيا. ويعكس ذلك تغير ديناميكيات سلسلة الإمداد العالمية.
المخاطر والتعاون الدولي
وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية لعام 2025، سيتحدد مستقبل الطلب على المعادن الحرجة وفق مسار السياسات التي تتبناها الدول خلال العقدين المقبلين. ففي السيناريو الأول، بافتراض استمرار السياسات الحالية، يبقى نمو الطلب محدودًا نسبيًا. وفي السيناريو الثاني، حين تنفذ الدول تعهداتها المناخية والطاقة النظيفة، يرتفع الطلب بوتيرة أسرع وتتغير الصورة جذريًا. أما السيناريو الثالث فالمقصود به الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2050، فترتفع فيه الطلبات إلى مستويات غير مسبوقة وتتضاعف مقارنةً بمعدلاته الحالية، وتصبح الطاقة الشمسية والرياح والمركبات الكهربائية مكونات أساسية في النظام العالمي للطاقة.
يبرز التحول الأخضر أن الاعتماد على الموارد الطبيعية لا يزداد فحسب بل يعاد تشكيله بشكل أكثر تنوعًا، حيث ينحسر دور النفط والفحم تدريجيًا وتبرز المعادن الحرجة كركيزة للنمو الصناعي والتكنولوجي القادم. وتتشكل مع الزمن خريطة تجارة عالمية جديدة وسلاسل قيمة معتمد على هذه المعادن، ما يستلزم إعادة ترتيب السياسات الاستثمارية والتجارية. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي لزيادة المعروض من المعادن الحرجة وتخفيف اضطرابات سلاسل الإمداد وتسهيل نقل التكنولوجيا. وتؤكد النتائج أن الدول النامية الغنية بالمعادن الحرجة تستطيع الاستفادة من الطلب الدولي عبر تعزيز قدراتها في الاستخراج والتصنيع الوسيط والنهائي.
يمكن عرض حجم الطلب على المعادن الحرجة وفقًا لأبرز الصناعات الخضراء كما يلي: المركبات الكهربائية تعتمد بشكل رئيس على معدن الجرافيت ليشكل نحو 43.7% من إجمالي الطلب على المعادن الحرجة اللازمة للمركبات الكهربائية في 2024، يليه النحاس بنسبة 25.9%. أما طاقة الرياح فتعتمد بشكل رئيس على معدن الزنك ليشكل نحو 48.6% من إجمالي الطلب على المعادن الحرجة لتقنيات الرياح في 2024، يعقب النحاس بنسبة 35.3%. وفي تقنيات الهيدروجين يعتبر معدن النيكل الأكثر طلبًا، حيث شكل نحو 87.4% من إجمالي الطلب على المعادن اللازمة لتقنيات الهيدروجين في 2024.
المخاطر والتعاون الدولي
ويشير التحليل إلى أن الطلب المتزايد على المعادن الحرجة لا يوازيه اليقين في الأسواق والاقتصاد، وتواجه الاستثمارات الحالية ضغوطًا نتيجة الاضطرابات الاقتصادية والجمود في زخم الاستكشاف. وفي عام 2024 اتسع الإنفاق على الاستكشاف بنسبة 5% فقط، مقارنة بنمو 14% في 2023، ويرتفع النمو الحقيقي إذا استبعدنا أثر ارتفاع الأسعار إلى نحو 2%. وظل نشاط الاستكشاف ثابتًا في 2024، مع استمرار الارتفاع في إنفاق الاستكشاف لليثيوم واليورانيوم والنحاس وانخفاضه بالنسبة للنيكل والكوبالت والزنك.
ويؤكد المركز أن تبني الصناعات الخضراء القائمة على المعادن الحرجة يساهم في الاستدامة وخفض الانبعاثات من خلال إحلال الصناعات النظيفة محل الوقود الأحفوري، كما يفتح أبواب وظائف وفرص استثمار وتعاون. وعلى الجانب الآخر يجب مراعاة مخاطر: تركيز الإنتاج في دول محدودة وشركات محدودة، ونضوب الموارد مع مرور الزمن، والابتكار الذي قد يستبدل المواد المتداولة، وتقلبات الأسعار نتيجة الشواهد الخارجية وتقلبات الاقتصاد العالمي. كما تثير مخاطر جيوسياسية والتقلبات الكلية في الأسواق والعملة وأسعار السلع تحديات استراتيجية للدول الحريصة على التحول. وتؤكد المركز على ضرورة تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعرفة ونقل التكنولوجيا لتقليل اعتماد الدول على مصادر بعينها وتحفيز الاستثمار في التصنيع المحلي.
وتدعو المركز إلى تعزيز التعاون الدولي لتعظيم دور المعادن الحرجة في الطاقة والتنمية المستدامة من خلال زيادة العرض وتخفيف اضطراب السلاسل ونقل التكنولوجيا وتوسيع الاستثمار الخاص. وتؤكد أن الدول النامية الغنية بالمعادن الحرجة يمكنها استغلال الطلب العالمي عبر بناء قدراتها في الاستخراج وتطوير فرص التصنيع الوسيط والنهائي. كما تشدد على أهمية سياسات تشجيعية وتعاون صناعي وتبادل معلومات وخطط عمل مشتركة بين الدول المتقدمة والنامية. وتختتم بأن تعزيز هذا التعاون يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتخفيف تكاليف انتقال الطاقة على المستهلكين مع حفظ الاستدامة والشفافية.


