وقف المشجع الكونغولي كوكا مبولادينجا ثابتاً كتمثال في مدرجات المغرب، وهو يلتزم صمتاً مطبقاً بينما تستمر صافرات المباراة وعاصفة الإشادات. لم يتحرّك سوى نظرات متحفزة تحيط به، وكأن صمته يحكي تاريخاً طويلاً من الاستعمار ونضال القارة. أطلقت عليه وسائل الإعلام العالمية لقب مشجع التمثال لأنه جسد في لحظة واحدة فكرة الثبات والتحدي، وبات رمزاً يحاكي صمود شعب الكونغو. ومع وداع المنتخب أمام الجزائر في دور 16، عادت ذاكرته لتفتح صفحة تاريخية تمزج البطولة بالمقاومة والنضال.
نضال باتريس لومومبا وتأسيس الحركة
في خمسينيات القرن الماضي أسس باتريس لومومبا الحركة الوطنية الكونغولية كأول حزب سياسي في البلاد، فكان اعتقاله بسبب دعوته للتحرر من الاستعمار البلجيكي. وبعد الاستقلال عُيِّن رئيساً للوزراء وهو في الأربعين من عمره، محاطاً بتحديات جسيمة من قوى الاستعمار وبقايا نفوذها. واجه لومومبا معارضة عنيفة وعنفاً سياسياً دفعه إلى صراع مستمر مع خصومه داخلياً وخارجياً. لم يدم وجوده طويلاً في السلطة، إذ أُقِيم تحت الإقامة الجبرية ثم أُعدم في ظروف صاخبة عام 1961.
وفي سياق هذه المحنة، تُشير المصادر إلى أن القاهرة اتخذت موقفاً داعماً لحماية عائلة لومومبا ونقلت زوجته وأطفاله إلى مصر. رافقت هذه الخطوة قيام كتيبة مصرية-سورية مشتركة بقيادة سعد الدين الشاذلي بدخول أراضي الكونغو تحت مظلة أممية، بناء على طلب من لومومبا. نقلت الأسرة إلى مصر، وبقي الثلاثة فرانسوا وجوليانا وباتريس في حضن القاهرة، فيما بقي الرضيع رولان في الكونغو مع والدته مؤقتاً قبل أن يتحقّق الانضمام لاحقاً. أشارت الشهادات إلى ترتيب إجراءات خروج الأسرة عبر وساطة دبلوماسية، مع التلاعب بنواحي الهوية والحواجز لعبور الموانئ بنجاح.
الهجرة إلى مصر وتربية الأطفال
وُضِع منزل في أحياء القاهرة الراقية لاستضافة أسرة لومومبا، وحرصت القاهرة على رعاية أبنائهم وتوفير الأمن والتعليم. ذكر رولان لومومبا في مقابلات أن هوية الأسرة كانت تجمع بين الانتماء الكونغولياً والاهتمام باللغة العربية، حيث تعلّموا العربية وتلقّوا رعاية عائلية فاضلة إلى جانب التفاعل مع المجتمع المصري. أشاد المصريون باستقبالهم وحرصوا على توفير الدعم والاستقرار للأسرة في ظل ظروف عانى فيها الأب من صعوبات سياسية. انتهت إقامتهم في مصر بأن واصل الأولاد تعليمهم خارج البلاد عقب الثانوية، بينما ظل باتريس في مصر لسنوات طويلة قبل وفاته.
تروى الشهادات أن السفير المصري داخل الكونغو دوّن تفاصيل عملية الإجلاء، موضحاً أن لومومبا تمكن من الإفلات من الحصار ووجد ملاذاً في منزل وسط ليوبولدفيل، فأُرسلت البرقيات لإبلاغ القيادة المصرية بالحالة. أشرف فريق مصري على خطة تهريب أبناء لومومبا، حيث جرى تغيير جواز سفر أحد المستشارين في السفارة بغرض السفر برفقة الأسرة إلى لشبونة ثم الاستقرار في مصر. كانت النتيجة وصول فرانسوا وباتريس وجوليانا إلى القاهرة، وتأسيس ارتباط عميق بين العائلة والبلد الجديد من خلال بيت في أحد أحياءها وتلقّي الأولاد تعلّماً ولغتهم الجديدة إلى جانب الحفاظ على جذورهم الكونغولية.
في ضيافة الزعيم، روى أبناء لومومبا كيف أن العائلة لاحقاً تلقت الرعاية من مصر وتعرفت إلى محيطها الجديد، حيث لم يلتقوا مع والدهم في هذه الفترة بشكل مباشر، لكنها بقيت سرماً من أسرار الكفاح المشترك ضد الاستعمار. وتؤكد المصادر أن زوجة لومومبا وأبناؤه عاشوا معاً في مصر وتلقوا تعاليم توازن بين الهوية الكونغولية والانتماء العربي المصري. وأشاروا إلى أن العلاقات الإنسانية في تلك الفترة شكلت قاعدة قوية للتواصل مع القادة العرب، وأيّدوا فكرة أن مصر كانت ملاذاً آمناً لأبناء المناضلين من القارة السمراء.
بعد سنوات، توالت التطورات في الكونغو، وأُعلن عن مقتل لومومبا مع رفيقيه في ظروف درامية مأساوية، في حين ظل أثره يتكئ على أمل الحرية الذي زرعه في شعبه. أشارت تقارير إلى أن القضاء البلجيكي والإجراءات المرتبطة برفاته ظلت موضوع جدل طويل، حيث أُشير إلى اختفاء أجزاء من جثمانه وتوثيق مأساة القتل والتشويه ضمن سجل التاريخ. وتستمر الذاكرة في الربط بين أحداث لومومبا ومناخات دعم الدول العربية للحركات التحررية الإفريقية، مع إبراز دور مصر في حماية الأسرة وتوفير ملاذ آمن للمناضلين وذويهم في تلك الحقبة.
بتجدد ذكرى لومومبا وتجاوبها مع مسار الزمن، بقيت مصر حاضرة كرمز لاستقبال الم.auة وتحمّل المسؤوليات الإنسانية تجاه رواد النضال في القارة. وتُظهر الصور والوثائق أن كوكا مبولادينجا حينئذٍ لم يكن مجرد مشجع كرة قدم، بل كان جزءاً من حكاية تاريخ تتقاطع فيه الرياضة والسياسة والحرية والكرامة الإنسانية. وتؤكد هذه الحكاية أن الشجاعة لا تقتصر على الميدان وإنما تمتد إلى حماية العائلة وتوفير فسحة أمل لمن يعانون من الظلم والاحتلال.


