تشهد أسواق التكنولوجيا العالمية أزمة حادة في شرائح الذاكرة RAM ارتفعت أسعارها بشكل غير مسبوق خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما دفع المحلّلين إلى التحذير من احتمال ارتفاع تكلفة الأجهزة بنسبة تصل إلى نحو 20% بحسب تقارير فاينانشال تايمز.
تُعيد هذه الأزمة إلى الأذهان أزمة نقص أشباه الموصلات التي ضربت الصناعات بعد جائحة كورونا، لكنها تختلف في الأسباب والتفاصيل الجوهرية عن الوضع الحالي.
كيف ظهرت الأزمة وتطورت؟
كان المتوقع أن يعمّ فائض الإنتاج وتهبط الأسعار في 2022 و2023، إذ وجدت كبرى الشركات مثل سامسونغ وإس كيه هاينكس وميكرون نفسها تواجه مخزوناً عالياً وتراجعاً في الطلب، مما أدى إلى خفض الإنتاج في بعض السنوات. ثم جاء التحول الكبير مع ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوسعها، فاستُهدف إنتاج الشرائح الأكثر فائدة وقيمة مثل ذاكرة HBM المخصصة لمعالجات الرسوميات وأنظمة AI.
في الوقت نفسه تقرر تقليل إنتاج الشرائح التقليدية مثل DDR4 و LPDDR4، لتركز الموارد على المنتجات الأعلى ربحية. وهذا التحول أتاح فجوة في السوق للشرائح التقليدية التي شهدت نقصاً واضحاً عندما ارتفع الطلب على الأجهزة التقليدية في النصف الثاني من 2024 وبدأت مراكز البيانات في ترقية خوادمها.
بحلول أواخر 2024 بدأت مؤشرات النقص تتوضح، إذ بلغ متوسط مخزون موردي DRAM نحو 2–4 أسابيع بحلول أكتوبر 2025، مقارنة بما يقارب 13–17 أسبوعاً في نهاية 2024، ووصف المحللون الوضع بأنه “موقف مفاجئ لم يكن في الحسبان”.
أوجه الشبه والاختلاف مع أزمة الرقائق بعد كورونا
تذكّر الأزمة الراهنة أزمة أشباه الموصلات عقب جائحة كورونا من حيث وجود نقص وتذبذب الأسعار وتأثيرها على المستهلكين، لكنها تختلف في أن الأزمة السابقة كانت خارج إرادة الشركات جزئياً بينما الحالية نتجت إلى حد كبير عن قرارات تخصيص الإنتاج نحو شرائح AI عالية الربحية وتزايد الطلب من قطاع غير متوقع، ما أدى إلى اختلال في التوازن بين العرض والطلب.
كما أن هيمنة ثلاث شركات كبرى على نحو 95% من إنتاج DRAM تجعل السوق أكثر حساسية لأي تعديل في الإنتاج من تلك الشركات الثلاث، وهو وضع يختلف عن تنوع القطاع في أشباه الموصلات الذي يشمل فئات عديدة ومورّدين أكثر تنوعاً.
متى ستنتهي الأزمة؟
يتوقع المحللون استمرار الوضع خلال الأعوام القليلة المقبلة؛ إذ لا يمكن زيادة الطاقة الإنتاجية بشكل سريع، وتؤكد شركات مثل SK Hynix أن الإنتاج لعام 2026 محجوز بالكامل ولا يمكن تلبية طلبات جديدة، فيما يتوقع أن تبدأ مصانع جديدة للعمل بشكل واسع في 2027 أو 2028. كما يتوقع أن تبقى الأسعار مرتفعة حتى 2027–2028، مع احتمال حدوث فائض وانخفاض حاد في الأسعار فقط إذا تباطأ نمو الطلب وازداد الإنتاج بشكل كافٍ في 2028–2029.
بالنسبة للمستهلك، قد ترتفع أسعار الحواسيب والهواتف بنسبة إضافية تصل إلى 15–20% في أوائل 2026 ما لم يحدث تصحيح مفاجئ في السوق.
شبهات التعمد وربحية الشركات
يطرح سؤال: هل تسبّب العوامل السوقية فحسب الأزمة أم أن هناك استفادة مقصودة من قِبل شركات محددة؟ لا توجد أدلة واضحة على تنسيق مخالف، لكن تقارير كثيرة تُظهر ارتفاع أرباح الشركات الكبرى خلال الأزمة وارتفاع هوامش الربح لدى سامسونغ وSK هاينكس لتتفوق على منافسيها، مع سيطرة ثلاث شركات على نحو 95% من إنتاج DRAM. وهذا يجعل التحكم في وتيرة العرض أمراً ممكناً نسبياً من جانبها، وهو ما يثير شكوك حول نية التأثير في الأسعار لأجل تعظيم الأرباح.
يظل التفسير محتملاً من حيث أن الشركات تتصرف بحذر في توسيع الإنتاج لتجنب تشبع الأسواق وتراجع الأسعار كما حدث بعد جائحة كورونا، وهو سلوك يحافظ على أرباحها لكنه يثير قلق المستهلكين والمنظمين.
تبعات الأزمة والدروس المستفادة
ينعكس النقص على تكلفة المعدات والتأخير في طرح منتجات جديدة وربما انخفاض مواصفات الأجهزة، وتتحمل الشركات والمستهلكون تبعاته من ارتفاع الأسعار والتحديات في سلاسل التوريد. كما تنبه الاقتصاديون إلى أن نقص الرامات لم يعد مجرد مسألة تقنية محلية بل مخاطر اقتصادية تعيق الابتكار وتزيد التضخم، فيما تعمل الحكومات والشركات على تعزيز سلاسل الإمداد وتوسيع القدرات الإنتاجية لتفادي تكرار الأزمة مستقبلاً.
يبقى درس الأزمة أن سلاسل التوريد التقنية معرضة لتقلبات الطلب المفاجئة وأن قرارات الشركات الكبرى تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الأسعار والقدرات المتاحة، وأنه من المتوقع أن تنتهي الأزمة عاجلاً أم آجلاً كما حدث مع أزمات أشباه الموصلات سابقاً، لكن من المهم أن تتغير مواقف اللاعبين الكبار لتجنب تكرار مثل هذه الأزمات في المستقبل.


