يتجاهل كثيرون فكرة أن السمنة تعكس ضعف الإرادة فحسب، وتنتشر عبارات مثل “كل ما يحتاجه الشخص هو أن يأكل أقل” في النقاشات العامة وحتى في بعض الأوساط الطبية. يزعم بعض الأشخاص أن المشكلة شخصية وتكمن في المسؤولية الفردية، بينما تواجه الأدلة العلمية الحديثة هذه الرؤية بنقص التفسير. على مستوى الممارسين الصحيين، يخبر أطباء وخبراء السمنة أن الكثير من المرضى لديهم دافعية عالية ومعرفة كافية ويبذلون جهود جادة، لكنها تفشل في الوصول إلى نتائج مستدامة. تبين أن السمنة ليست سلوكًا بسيطًا، بل حالة بيولوجية معقّدة تتداخل فيها العوامل الجينية والهرمونية والبيئية.
أبعاد بيولوجية للسمنة
تؤدي الجينات دوراً محورياً في تحديد الشهية والإحساس بالشبع وسرعة الأيض. يولد بعض الأشخاص بجينات تجعلهم يشعرون بالجوع أقوى ويميلون إلى الإفراط في تناول الطعام حتى لو اتبعوا الكميات نفسها. ويُعد جين MC4R مثالاً بارزاً، إذ ترتبط طفراته بزيادة الشهية لدى نسبة من الناس. إلى جانب ذلك، يطرح مفهوم “نقطة الوزن الثابتة” تفسيراً إضافياً، حيث يحدد الدماغ وزناً مفضلاً للجسم ويسعى للحفاظ عليه، وعندما ينخفض الوزن عن هذا الحد يستجيب الجسم بزيادة الجوع وببطء الأيض، مما يجعل الحفاظ على الوزن المفقود أصعب.
السياق البيئي والصحة العامة
مع ذلك، لا تفسر البيولوجيا وحدها ارتفاع معدلات السمنة؛ فالبيئة المعاصرة تعتبر بيئة مسببة لهذه الظاهرة، حيث تتوافر الأطعمة عالية المعالجة وبأسعار منافسة وإعلانات مكثفة وحجم الحصص الكبير وتراجع فرص الحركة. تشكل هذه العوامل ضغطاً مستمراً يدفع حتى الأشخاص الأكثر انضباطاً إلى الإفراط في تناول الطعام. يرى خبراء الصحة العامة أن تحميل المسؤولية الفردية وحده تجاهل لهذه العوامل، ويؤكدون أن السمنة نتاج تفاعل معقد بين الجسم والبيئة، مع الإقرار أيضاً بدور الإرادة ضمن منظومة أوسع تحتاج إلى دعم نفسي وبيئة صحية وسياسات عامة فعالة.
في الختام، يمكن أن تكون الخطوة الأساسية هي الانتقال من خطاب اللوم إلى فهم علمي ودعم اجتماعي يساعد الأفراد على تحسين صحتهم. يؤكد الخبراء أن الإرادة جزء من النظام الأكبر وليست القاعدة الوحيدة، وأن استراتيجيات ناجحة تجمع بين الدعم النفسي والبيئة الصحية والسياسات العامة الفعالة. عند تطبيق هذا الفهم المتكامل، يتاح للأفراد مسار أكثر ثباتاً للوصول إلى وزن مستقر وتحسين صحتهم على المدى الطويل.


