أكدت مداخلات مسؤولين وخبراء دوليين خلال جلسة العلاقة المتشابكة بين الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وأمن الشبكات الكهربائية أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل أنظمة الطاقة العالمية. عقدت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة فعالياتها في أبوظبي حيث ناقشت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وأمن الشبكات. وأبرزت النتائج أهمية الدمج بين إنتاج الكهرباء وإدارة الشبكات والتعامل مع التحديات المتسارعة للانتقال الطاقي. كما أكدت أن الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية بل شرطًا لتحقيق وصول عادل وفعال إلى الطاقة عالميًا.
الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية
أوضح المتحدثون أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في مؤسسات مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) أو الاتحاد الأوروبي لا يجب أن يظل محصورًا في الدول المتقدمة. فالتحدي الحقيقي يتمثل في ضمان استفادة عالمية عادلة من الذكاء الاصطناعي في أنظمة الطاقة، خاصة في الدول التي لا تزال تعاني من ضعف الوصول إلى الكهرباء أو محدودية البنية التحتية. فالذكاء الاصطناعي عبر الرقمنة وتبادل أفضل الممارسات يمكن أن يتيح لتلك الدول الوصول إلى الطاقة بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
وبهذه الطريقة يمكن تقليل الاعتماد على مسارات طويلة ومكلفة للوصول إلى الكهرباء وتحسين جودة التزويد. كما أن ذلك يسهم في دعم التوزيع العادل للطاقة وتخفيف الفوارق التنموية.
أمن سيبراني ومعضلة التعقيد
ازدادت الأنظمة الرقمية تعقيدًا وتراجعت سهولة فهمها ومراقبتها والتنبؤ بسلوكها. أحد أبرز الأمثلة كان انقطاع الكهرباء الواسع في إسبانيا في مطلع هذا العام، مما دفع السلطات إلى إجراء أوسع تحقيق سيبراني شارك فيه الجيش وأجهزة الاستخبارات وخبراء الرقمنة. رغم أن التحقيق لم يثبت أن الحادث ناتج عن هجوم سيبراني، إلا أنه كشف عن مشكلة أكبر وهي وجود فائض من البيانات غير الموحدة وغير القابلة للمقارنة.
فمن الدروس الأساسية أن غياب التوحيد القياسي وقابلية التشغيل البيني يعيقان الاستجابة للأزمات. بدأت جهات أوروبية في الدفع نحو تشريعات جديدة تلزم جميع أطراف منظومة الطاقة بجمع وتخزين وتبادل بيانات موحدة وقابلة للمقارنة. هذا الإطار يضمن سرعة التحليل واتخاذ القرار في المستقبل. ومن شأنه تقليل مخاطر الفوضى المعلوماتية وتحسين الاستجابة.
الجزر الصغيرة وتحديات مميزة
أشارت مداخلات ممثلي الدول الجزرية الصغيرة إلى واقع مختلف جذريًا عن القارات الكبرى بسبب المساحة المحدودة، وضعف الموارد، وارتفاع كلفة البنية التحتية. ورغم ذلك، ترى هذه الدول أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لا غنى عنها في إدارة شبكات مصغرة وتنسيق البيانات بين الجزر المتقاربة وتحسين استقرار الأنظمة المعتمدة أساسًا على الطاقة الشمسية. لكن النجاح يتطلب تناغمًا معياريًا للبيانات والأنظمة الرقمية مصممًا خصيصًا لواقع الدول الجزرية وليس استنساخًا لنماذج قارية.
الطاقة والسياسة بالذكاء الاصطناعي
قدمت كوريا الجنوبية نموذجًا لسياسات وطنية تقوم على ركيزتين متلازمتين هما التحول بالذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر. وتعمل كوريا على دمج الذكاء الاصطناعي مع بيانات الطقس اللحظية لتحسين إدارة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، واستخدام الذكاء الاصطناعي في موازنة العرض والطلب على الشبكة. كما تبني مراكز بيانات قريبة من محطات الطاقة لتعزيز الاستقرار وتوفير حوافز قانونية وتشريعية لهذا التوجه. وحذرت من أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يرفع الطلب الكهربائي بشكل غير مسبوق، ما يستلزم تخطيطًا دقيقًا حتى لا يتحول إلى عبء على الشبكات.
معركة الكفاءة القادمة
من أوروبا إلى آسيا برزت مراكز البيانات كأحد أكبر مصادر القلق في مستقبل الطاقة. السؤال لم يعد: من أين تأتي الكهرباء؟ بل كيف نخفض استهلاكها. يركز الاتحاد الأوروبي حاليًا على تطوير نظام تصنيف لكفاءة مراكز البيانات وتحليل الأداء وتحديد أفضل الممارسات والدفع نحو معايير مشتركة تمنع سباقًا نحو القاع. كما ناقشوا استغلال الحرارة المهدرة من مراكز البيانات بالقرب من المدن كموارد طاقية بدلاً من كونها عبئًا.
الصين والطاقة المتجددة والفعالية
أوضحت الصين أن قدراتها المتجددة قد تتجاوز 400 مليار كيلوواط خلال خمس سنوات، ما يفرض تحديات كبيرة في تغذية مراكز البيانات. وتعتمد الاستراتيجية على توطين مراكز البيانات قرب المناطق الغنية بالطاقة المتجددة وتفضيل الطاقة الخضراء كمصدر رئيسي. وتسعى إلى تحسين كفاءة الاستهلاك عبر تطوير الخوارزميات والنماذج الضخمة وتحسين تقنيات التبريد والتشغيل. وترى الصين أن خفض استهلاك الطاقة لن يتحقق إلا عبر التقدم التكنولوجي والتعاون الدولي.
حوكمة طاقية عالمية ضرورية
في الختام، تؤكد الرسالة أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، ولكنه قد يتحول إلى مخاطر إذا غابت المعايير والكفاءة والأمن. يبرز الحل في التوحيد القياسي للبيانات وأمن سيبراني صارم وتبني طاقة متجددة سريعة الانتشار وكفاءة عالية لمراكز البيانات وتعاون دولي يشمل الدول الصغيرة. يؤكد البيان أن في عالم يتجه نحو الرقمنة، الطاقة والذكاء الاصطناعي لم يعودا مسارين منفصلين بل معركة واحدة على مستقبل الاستدامة.


