تشهد مصر تطورات متلاحقة في الحياة البرلمانية منذ نشأة البرلمان في 1866، متأثرة بالتحولات الكبرى في السياسة. ارتبطت هذه التطورات بقيود العهد الملكي ثم بفترة الجمهورية الأولى وحتى اليوم. تعكس هذه المسارات تغيرات بنية النظام السياسي ونمط المشاركة الحزبية. تربط الدراسات التاريخية البرلمان بنسق القوى السياسية وتوازناتها.

بدايات برلمانية: التوافق لا التنافس

في عهد الخديوي إسماعيل كانت الحياة النيابية أشبه بمجالس استشارية، وكانت رئاسة المجلس غالباً بالتزكية أو وفق ترشيحات من السلطة الحاكمة. لم تكن هناك انتخابات تنافسية لرئاسة المجلس، بل توافقات سياسية شكلية. سادت هذه الفترة أساليب ترشيح تقليدية اعتمدت على السيطرة المركزية أكثر من أي منافسة شعبية. تطابقت ملامح المشهد مع طابع السلطة حينها وتوقعات النخب الحاكمة.

عصر ما بعد 1952: برلمان تحت قبضة الدولة

بعد ثورة 23 يوليو 1952 وتأسيس الجمهورية، تشكل المجلسان الأمة ثم الشعب، وفي فترات كثيرة كانت الحياة النيابية مهيمنة من الحزب الواحد. كان الاتحاد الاشتراكي ثم الحزب الوطني يهيمنان على الترتيبات السياسية، وكانت رئاسة المجلس محسومة سلفاً وفق خطوط الحزب الواحد. بقيت القوة الحاكمة تهيمن على البرلمان وتحديد مخرجاته، ما قلل من فرص التنافسية في العملية الانتخابية. هذه الفترة جسّدت نمطاً هيمنياً على الحياة التشريعية يحد من تعدد وازدهار المشاركة السياسية.

انتخابات شكلية تحت سيطرة الحزب الحاكم

في عهد الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك ظل الحزب الوطني يسيطر على الأغلبية البرلمانية، وكان يتم ترشيح رئيس المجلس بالتوافق داخل الحزب ثم تمريره في الجلسة الافتتاحية. استمر هذا النمط حتى عام 2011، حيث بقيت المنافسة شكلية مع حسم النتائج مسبقاً. يعكس ذلك أسلوب إدارة تشريعية يعتمد على توافقات حزبية مسبقة ومخرجات محددة سلفاً. فشلت آليات المنافسة الحقيقية في ضمان اختيار حر ومفتوح للرئاسة المجلس.

ما بعد 2011: التعددية تدخل المشهد

بعد أحداث 25 يناير 2011، شهد البرلمان انتخابات رئيس مجلس الشعب لأول مرة في أجواء تنافسية نسبية. ففي 2012، انتخب الدكتور محمد سعد الكتاتني، مرشح حزب الحرية والعدالة، رئيساً للمجلس في مواجهة مرشحين آخرين، فيما غلبت قوة جماعة الإخوان. جاءت هذه التطورات كإشارة إلى تغير دلالات القوى السياسية وتنامي وجود قوى جديدة في الميدان البرلماني. انعكست هذه التحولات على طبيعة العمل التشريعي وتعدد الرؤى داخل المجلس.

برلمان 2015: عودة الاستقرار والتكتلات

مع انتخابات 2015 عادت الحياة البرلمانية إلى نشاطها بقوة بعد ثلاث سنوات من الغياب. شهدت الجلسة الأولى انتخاب الدكتور علي عبد العال رئيساً للمجلس، بدعم من تكتلات كبرى مثل تحالف دعم مصر. توزعت كتلة القوى البرلمانية بين كيانات محددة، وشهدت وجود توازنات جديدة وتكتلات مؤثرة تؤثر في توجيه العمل التشريعي. تعكس هذه المرحلة تغيراً في بنية القوى وتنامي قدرات التنظيمات داخل البرلمان.

البرلمان الحالي: تعددية وتوازنات حزبية

مع مجلس النواب القائم للفترة 2021–2026 دخلت الساحة تكتلات حزبية متنوعة، مما جعل انتخاب رئيس المجلس يحظى باهتمام عام أكبر. اعتمدت المعادلة على توازنات بين هذه التكتلات وتحديد صلاحيات المجلس بما يضمن حضوراً أقوى للأطراف المختلفة. يعكس المشهد تشكيلة سياسية أكثر تنوعاً وتنافساً مؤسسياً يضفي على العمل التشريعي حيوية ورؤية مختلفة. كما يعكس ذلك رغبة في تعزيز دور المجلس كمسار لمشاركة حقيقية في صنع القرار.

شاركها.
اترك تعليقاً