تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي منظومة تحليل بيانات واسعة لاستخراج أنماط غير مألوفة قد تشير إلى بداية جائحة محتملة. يطرح هذا النهج سؤالاً حول ما إذا كان بإمكان الآلة أن تتعلم قراءة إشارات مخفية في مصادر معلومات متعددة قبل وصول المرض إلى المجتمع. وتشير نتائج بحثية إلى أن مجموعة من الباحثين تدرس إمكانات هذه التقنيات لاكتشاف بوادر تفشٍ قبل أن ينتشر. يهدف ذلك إلى تمكين السلطات الصحية من اتخاذ إجراءات وقائية مبكرة وتنبيه الجهات المعنية عند الحاجة.
أطر الصحة الواحدة
يُبنى إطار الصحة الواحدة على ربط صحة الإنسان بالحالة الحيوانية والبيئة المحيطة بفعل تفاعلها المباشر. تجمع الأنظمة الذكية بيانات من سجلات المستشفيات وتقارير الطب البيطري وبيانات المناخ وحركات السكان لتحديد أنماط قد تشير إلى مخاطر جديدة. تُدار هذه الأنظمة عبر نماذج تعلم تراكمية تتعلم من ملايين البيانات العالمية وتكشف إشارات مبهمة لا ترى بالعين المجردة. لا تهدف إلى استبدال الأطباء، بل إلى تزويدهم بمعلومات إضافية قد تغفلها المراقبة التقليدية.
يمكن للنظام ملاحظة ارتفاع مفاجئ في حالات الحمى غير المفسرة في منطقة محددة عندما يتوافق ذلك مع تغيرات في الحياة البرية أو درجات الحرارة، فيصدر حينها إنذاراً مبكراً يحفز التحقيق. يركز العمل على ربط البيانات المتعددة وتحليلها بسرعة عالية ليتمكن المختصون من تقييم الخطر بشكل فوري. وتؤكد الدراسات أن الهدف ليس التنبؤ فحسب، بل دعم اتخاذ قرارات سريعة وفعالة قابلة للتنفيذ. كما يشدد العلماء على ضرورة وجود إشراف بشري وفهم طبي لتفسير النتائج بدقة.
التحديات والقيود
تواجه هذه الأنظمة تحديات حقيقية تتعلق بجودة وتنوع البيانات ومدى حداثتها وصحتها. قد تؤدي مدخلات غير دقيقة أو غير محدثة إلى إنذارات كاذبة أو تفويت إشارات حقيقية، وهو ما يستدعي مراجعة بشرية وتدقيق علمي مستمر. وتظل التوقعات الآلية بحاجة إلى تفسير خبير وفهم سياقي للنتائج قبل تطبيقها في السياسات الصحية. رغم ذلك، يعبر الباحثون عن أمل في أن تكون هذه التقنية أداة تساند الخبرة البشرية لا تعويضها.
التطبيقات الميدانية والبيئية
يُستخدم الذكاء الاصطناعي مع تقنيات تحليل مياه الصرف الصحي وهواء البيئة والبيانات الزراعية لاكتشاف آثار مبكرة للفيروسات. يتيح الدمج بين هذه البيانات البيئية ومعلومات المستشفيات والمختبرات رسم خريطة شبه فورية للمناطق المعرضة للخطر حول العالم. وتظهر التجارب أن الدمج بين التحليل الجينومي والذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحديد سلال فيروسية لديها احتمال الانتقال للبشر قبل حدوث العدوى. يفتح ذلك باب الوقاية الاستباقية بدلاً من الانتظار حتى تفشي المرض.
الخلاصة والتوجهات المستقبلية
يتطلب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المراقبة الصحية مزيجاً من الحذر والتعاون بين الإنسان والآلة. يبقى الهدف الأساسي تعزيز قدرة منظومة الصحة على رصد الإشارات المبكرة وتحليلها بسرعة ودقة، مع مراعاة جودة البيانات وموثوقيتها. ليست هذه التقنية عصاً سحرية، لكنها أداة تدعم اتخاذ القرار وتوفر وقتاً إضافياً للإجراءات الوقائية.


