أزمة جهاز ليزا وفشله التجاري

أدى ظهور الحوسبة الشخصية في أوائل الثمانينيات إلى طرح أجهزة غيّرت طريقة تفاعل الناس مع التكنولوجيا، من بينها جهاز Apple Lisa، وهو منتج طموح وبسعر باهظ صُمم ليكون رائداً في السوق، لكنه لم يجد له مكاناً في الطلب الفعلي. كان ليزا أول حاسوب من أبل بواجهة مستخدم رسومية وفأرة وأيقونات مرئية ونظام قوائم منسدلة، ما أصبح لاحقاً معياراً، ولكنه آنذاك كان غريباً وغير مألوف للمستهلكين والمطورين. بلغ سعر ليزا 9995 دولاراً آنذاك، ما يعادل نحو 30000 دولار اليوم، وهو مبلغ يجعل الحاسوب بعيد المنال لغالبية الشركات والأفراد. واجه الجهاز مشاكل تقنية مثل عدم الاستقرار ومحدودية التوافق، وحتى إعادة تسميته لاحقاً إلى ماكنتوش إكس إل، ومع إتاحة الخصومات لم يحسن من أدائه التجاري. حتى عام 1985 أوقف إنتاج خط ليزا، وبقيت المخزونات المتبقية غير مستخدمة في المخازن، وتقول المصادر إن عددها بالآلاف، فيما كانت ممارسات التخلص من الأجهزة قليلة التدقيق ولا كان معروفاً للجمهور ما سيحدث لهذه الأجهزة.

صفقة إعادة البيع والتحول إلى ليزا بروفيشنال

بين عامي 1986 و1989 أبرمت شركة آبل اتفاقاً تجارياً مع شركة صن ريماركتينغ التي تتخذ من ولاية يوتا مقراً لها، والتي أسسها بوب كوك، تخصص كوك في شراء منتجات آبل المتوقفة عن الإنتاج وتجهيزها لإعادة البيع. وفق تقرير استقصائي من ذا فيرج، كان لكوك تعامل مع أكثر من 3000 وحدة من جهاز آبل 3 ونماذج أخرى لم تحقق النجاح المأمول. اقترح كوك شراء ما يصل إلى 7000 وحدة من أجهزة ليزا، واستثمرت شركته مبالغ ضخمة لتحديث الأجهزة والبرامج، مما جعل جهاز ليزا بروفيشنال المعاد تسميته خياراً اقتصادياً بديلًا لمنتجات ماكنتوش الأحدث. بدأت المبيعات عندما أنهت آبل الاتفاقية بشكل غير متوقع.

التخلص من الأجهزة وتداعياته

في سبتمبر 1989 طلبت شركة آبل إعادة جميع أجهزة ليزا غير المباعة التي كانت بحوزة كوك، ولم تُقدَّم أي تبرير رسمي. امتثلت شركة صن ريماركتينغ للطلب، جُمّعت الأجهزة ونُقلت إلى مكب نفايات لوغان في مدينة لوغان بولاية يوتا، حيث دُمّرت في الموقع باستخدام الجرافات، ودُفن ما يقارب 2700 جهاز.

الدوافع وغياب التفسير

تؤكد شهادات مباشرة وتقارير تاريخية وجود تدخل مفاجئ من قبل آبل وتخلص من الأجهزة بشكل منهجي. يبدو أن التدمير كان لا رجعة فيه، فبمجرد تلفها بشكل لا يمكن إصلاحه، تم التخلص من الأجهزة ووضعها تحت النفايات البلدية. لم تصدر آبل بياناً علنياً عن القرار، كما لم تُنشر المراسلات الداخلية في تلك الفترة، ولم تقم أي مقابلات مع ممثليها بشكل مباشر بهذا الشأن. يشير بعض محللي الصناعة إلى أن ليزا ربما اعتُبر عبئاً محتملاً، فإعادة بيع أنظمة قديمة قد يسيء إلى سمعة العلامة التجارية وربما فضّلت آبل الحفاظ على سيطرة أكبر على منظومتها، حتى في حالة المنتجات التي توقفت عن الإنتاج. ويُشار أحياناً إلى دور ستيف جوبز في التكهنات، لكن لا يوجد دليل مباشر يربطه بقرار 1989.

مقارنة بالالتزامات البيئية الحديثة

تتركز الصورة العامة الراهنة لشركة آبل حول المسؤولية البيئية والتقدم في أهداف الحياد الكربوني وإعادة التدوير وممارسات التصنيع المستدامة، وتُشجع Design Principles التي تقلل من المخلفات في سلسلة التوريد. يتناقض دفن آلاف الأجهزة العاملة عام 1989 مع هذه القيم المعاصرة، لكن لم تكشف معلومات عن معايير بيئية استخدمت حينها أثناء عملية الدفن. في ذلك الوقت لم تكن هناك سياسات ملزمة بإعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وكان الدفن شائعاً، غير أن الطبيعة المتعمدة لهذا الإجراء والافتقار إلى الضرورة التقنية تميّزه عن الدفعات الروتينية.

فصل منسي من تاريخ الحواسيب

ينسب الفضل لبوب كوك، الذي توفي في أكتوبر 2023، في إدراك القيمة الطويلة لإعادة استخدام الحواسيب. لا يزال مكب لوغان قائماً، وتُعتبر محاولات العثور على الأجهزة المدفونة واستخراجها غير مجدية من الناحيتين التقنية والمالية. بحسب مسؤولين محليين، يقع موقع التخلص الأصلي على عمق كبير يجعل استخراج الأجهزة أمراً مستحيلاً تقنياً.

شاركها.
اترك تعليقاً