يُبيّن علم النفس أن إرضاء الآخرين غالبًا ما يبدأ كآلية للبقاء على قيد الحياة في الطفولة ويستمر كعادة مكتسبة. يرتبط الحب والقبول غالباً بشروط، فعندما يؤدي التواجد اللطيف والمساعدة المتكررة إلى الاستقرار، يتعلم الدماغ أن هذا هو الطريق للحماية. لذا ليس قرار الإرضاء واعيًا بل يحدث تلقائيًا كالتنفس، ويستمر بفضل التعزيز الإيجابي عندما يتجنب الشخص الصراع. يشعر الشخص عند التفكير في قول لا بالخوف من رد فعل سلبي أو استياء، وهذا يجعل العادة تظل جزءًا من السلوك اليومي.
أسباب صعوبة التخلي عن الإرضاء
يتعامل الجهاز العصبي مع الرفض باعتباره تهديدًا محتملًا ويظهر ذلك في استجابات مثل تغير نبرة الصوت أو تأخر الرد. خلال النشأة، تظل هذه الاستعدادات عالية لأن السعي لإرضاء الآخرين يحقق إحساسًا بالأمان النسبي. هذا يجعل قول “لا” يبدو كتهديد جسدي ونفسي، ما يفسر وجود توتر وإجهاد عند محاولة التخلي عن العادات. لذلك يتحول التغيير إلى تحدٍ فعلي لأن النشأة رسّخت نمطاً يربط الأمان بالرضاء المستمر.
يمنح إرضاء الآخرين مكافأة فورية من خلال التقدير وتجنب الصراع، وهذا يعزز السلوك باستمرار. ينظر الدماغ إلى هذه اللحظة كراحة اجتماعية وتثبيت للسيطرة على المواقف. عندما يحظى الشخص بالثناء، ينخفض التوتر وتزداد الثقة بأن الحفاظ على الآخرين يضمن السلام. تكرار هذه المكافأة يعزز عادة الإرضاء ويقلل من الرغبة في تجربة حدود جديدة.
يصبح الإرضاء جزءاً من الهوية عندما يربط الشخص سلوكه بالصفات المعروفة بالاعتماد والموثوقية. يخاف من فقدان التقدير إذا توقف عن العطاء، وهذا الخوف يحافظ على النمط. يستمر النمط لأن التخلي عنه يعني فقدان صورة الذات المحببة. وبذلك يظل الحفاظ على العطاء جزءاً من كيف يرى الناس نفسه، ما يجعل التغيير صعباً.
عند وضع الحدود يبدأ الشعور بالذنب قبل الراحة المؤقتة. قد يرى الشخص أنه أناني لأنه يطالب باحتياجه، وهذا ليس خطأ بل جزء من عملية التعلم. التعامل مع هذا الشعور كجزء من التطور يساعد في قبول وجود احتياجات شخصية. مع الوقت يتضح أن التواصل الواضح لا يتطلب التضحية بالنفس دائماً.
لاختتام هذه العملية، يوضح النص أن التخلي عن الحرص على إرضاء الآخرين يحتاج إلى خطوات بسيطة وبالتدريج. ابدأ بتأخير الموافقة قليلًا، واسمح للآخرين بأن يشعروا بخيبة أمل بسيطة، وتحدث بصدق حتى وإن كان الأمر محرجاً. لا يعني التخلي عن العطاء فقدان الرحمة بل تعزيز التواصل الحقيقي واحترام الاحتياجات الشخصية. يظل الهدف بناء علاقة صحية تقوم على الوضوح والحدود دون التضحية المستمرة بالنفس.


