يطرح التحليل الصادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء مصطلح فقاعة الذكاء الاصطناعي من منظور تاريخي. ويركز على الفقاعات الاستثمارية الكبرى التي شهدها الاقتصاد العالمي مع تحليل الأبعاد الاقتصادية الراهنة لقطاع الذكاء الاصطناعي وتداعياته على الاستثمارات وسوق العمل. كما يبرز التوقعات البيئية وآثار التوسع التكنولوجي على البيئة وانعكاساته المحتملة على الدول النامية، إضافة إلى تقديم سيناريوهات مستقبلية قد تحدد مآلات الظاهرة في السنوات القادمة. ويؤكد النص على أن السياسات الاستثمارية والتنظيمية يجب أن تتوخى الاستدامة المالية والبيئية وتوجيه التقنيات نحو التنمية الشاملة.
الإطار التاريخي للفقاعات الاستثمارية
أشار التحليل إلى تكرار ظاهرة الفقاعات الاستثمارية عبر التاريخ الاقتصادي، بدءًا من فقاعة سوق الأسهم في عشرينيات القرن الماضي. ورُكِّز على فقاعة الدوت كوم كأحد الأمثلة الكلاسيكية التي ارتفعت فيها تقييمات شركات الإنترنت بشكل يفوق أرباحها الفعلية. ثم جاءت أزمة الرهن العقاري العالمية في 2008 كتذكير بأن التفاؤل المالي قد يفوق القيمة الحقيقية للأصول. ويرى أن قطاع الذكاء الاصطناعي اليوم يسير بخطى قريبة من فقاعة الدوت كوم مع تفاؤل واسع بشأن قدرته على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
تشير البيانات إلى ارتفاع تقييمات الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي ونمو الاستثمارات رأس المال المغامر إلى مستويات قد تفوق الأسس الواقعية للقيمة والإنتاجية. وقد بدأ نشاط التمويل يتسارع منذ عام 2022 مع انتشار تطبيقات مثل ChatGPT، ما أدى إلى تدفق مليارات الدولارات نحو القطاع. وتتصدر شركات مثل NVIDIA وOpenAI وGoogle وMicrosoft المشهد العالمي، حيث ارتفعت قيمتها السوقية نتيجة الطلب على خدمات الحوسبة عالية الأداء والمعالجات المتخصصة في تدريب النماذج الذكية. وفق تقرير Stanford HAI لعام 2025، بلغ حجم الاستثمارات المؤسسية العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي نحو 252 مليار دولار في 2024، مسجلاً نموًا تقريبيًا بنحو 26% عن 2023.
البعد البيئي والركائز التنظيمية
يبرز البعد البيئي لاستهلاك الطاقة كأحد أهم التحديات التي يغفلها الخطاب العام، في ظل اعتماد التطور السريع في نماذج الذكاء الاصطناعي على مراكز بيانات ضخمة تتطلب طاقة هائلة. وتثير هذه الأرقام أسئلة جوهرية حول مدى توافق طفرة الذكاء الاصطناعي مع أهداف التنمية المستدامة والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، خاصة في الدول التي تعتمد الوقود الأحفوري كمصدر رئيس للطاقة. وتدرس دول الاتحاد الأوروبي إطارًا تنظيميًا بيئيًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي يهدف إلى الحد من استهلاك الطاقة في التدريب والتشغيل، بينما تتبنى شركات كبرى استراتيجيات الذكاء الاصطناعي الأخضر عبر اعتماد مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الخوارزميات. وتبقى المسألة الأساسية هل يمكن استمرار التوسع في الذكاء الاصطناعي بالوتيرة الحالية دون أن يتحول إلى عبء بيئي جديد، وإلا ظهرت شكل من الفقاعة الخضراء التي تجمع بين التفاؤل التكنولوجي والتقصير في التقييم البيئي الحقيقي.
انعكاسات سوق العمل والتوازن الوظيفي
وتتوقع التقديرات أن سوق العمل سيكون من أكثر القطاعات تأثرًا إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي. وعلى المدى القصير قد تكون الاستثمارات المكثفة سببًا في خلق وظائف جديدة في مجالات البرمجة وتحليل البيانات وتطوير الخوارزميات، بينما في المدى الطويل قد تتراجع وظائف تقليدية في قطاعات مثل الخدمات المالية والتعليم والنقل بسبب الأتمتة. وتنتج هذه التحولات اتساع فجوة الدخل وعدم المساواة بين من يملك المهارات الرقمية والقدرات التكيفية وبين من يفتقر إليها. وتستلزم التعامل مع هذه التغيرات تبني سياسات تعليمية وتدريبية جديدة تركز على تنمية المهارات الرقمية والإبداعية لتجنب بطالة هيكلية.
التداعيات على الدول النامية
تتجاوز تداعيات فقاعـة الذكاء الاصطناعي الحدود الجغرافية وتُشخّص آثارها في الاقتصادات النامية. فمن جهة تفتح هذه الطفرة فرصًا لها في تسريع التحول الرقمي وجذب الاستثمارات في مجالات الحوسبة السحابية وتحليل البيانات، ومن جهة أخرى قد تتعرض الاقتصادات النامية لتقلبات السوق العالمية وتدفقات رؤوس الأموال الخارجي. فإذا انفجرت الفقاعة وتراجعت التدفقات الاستثمارية في المشروعات التكنولوجية الناشئة، قد يتباطأ التحول الرقمي وتقل الثقة في التكنولوجيا كمحرك للنمو. لذا يتطلب الأمر توجيه الاستثمارات نحو البناء الرقمي والبنية التحتية والتدريب التقني بشكل يعزز القدرة التنافسية دون الاعتماد على موجة رأس المال وحدها.
سيناريوهات مستقبلية وتوصيات
يعرض التحليل سيناريوهين رئيسيين لتحديد مآلات الظاهرة في السنوات القادمة. السيناريو الأول هو التصحيح السوقي الحاد، حيث تنخفض قيم الأصول وتخرج العديد من الشركات الناشئة من الأسواق نتيجة تقييمات تفوق العوائد الفعلية. السيناريو الثاني هو التكيف والاستدامة، حيث تتحول الاستثمارات إلى نماذج أعمال أكثر إنتاجية واستدامة وتتعزز الكفاءة وتقل التكاليف في قطاعات متعددة مثل التعليم والصحة والخدمات المالية. وتبقى الحاجة ماسة إلى سياسات استثمارية أكثر حذرًا وتدرجًا وتطوير أطر تنظيمية واضحة للذكاء الاصطناعي لضمان توجيه التقنيات نحو التنمية المستدامة. كما تؤكد التوصيات على بناء القدرات البشرية والتقنية وتطوير بيئة تنظيمية تشجع الابتكار مع ضمان المساءلة والشفافية والتقييم البيئي والاقتصادي المستمر.


