تعلن الخُطبة أن الدين الذي اختاره الله لنا ليس بعيدًا عن شؤون حياتنا وحِرَفِنا، بل إن عمران الإنسان ومهنه جزءٌ من العبادة. ويرى الدينُ أن السعيَ إلى إتقانِ المهنِ والحِرَفِ هو جوهرُ العبادة ومِشْكاةُ القُربةِ. كان في الرعيل الأولِ المعلمُ والطبيبُ والمترجمُ والمهندسُ والتاجرُ، حتى بلغتْ مهنُهمُ مئتي مهنةٍ وزيادةً. وقد رسم الإمامُ السبكي في كتابه فضاءً يربطُ العمرانَ بالأخلاقِ، فيحولُ كلَ حرفةٍ إلى بابٍ من أبوابِ القربَى.
أخلاق المهن في الإسلام
تظهرُ الأخلاقُ المهنيةُ في أقوى صورها عندما يجمع العاملُ بين الإيمانِ وروحِ الإسلامِ. وتتجلّى الأمانةُ من خلالِ صدقِ النصحِ، والابتعادِ عن الغشِّ والمداهنةِ، مع استشعارِ قولِ اللهِ: ولا تبخَسُوا الناسَ أشيائهم. وينبغي أنْ يكون التاجرُ أمينًا، والطبيبُ رحيماً، والمعلمُ مخلصًا، والمهندسُ دقيقًا، فالمهنيُّ صاحبُ الرسالةِ. فالمؤمِنُ الموثوقُ يُثمرُ سعادةَ الناسِ وبركةَ البيعِ عندما يُظهرُ الوضوحَ في التعاملِ.
وثيقة القاهرة وآفاق المستقبل
تشيرُ الخُطبةُ إلى وثيقةِ القاهرةِ، التي خرجت عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميةِ كميثاقٍ أخلاقيٍّ وحضاريٍّ يجسّدُ الدمجَ بين أمانةِ المهنةِ وغايةِ عمرانِ المجتمع. وتؤكّدُ بأن الإسلامَ لا يفصلُ بين خشوعِ المحرابِ وإتقانِ الحرفةِ، وأنَّ مصرَ تدعو العالمَ إلى بناءِ حضارةٍ قائمةٍ على العدلِ والإحسانِ. وهي دعوةٌ تُعيدُ التأكيدَ أنَّ السعيَ إلى نفعِ الناسِ وتطويرَ القطّاعِ الصناعيِّ يشتركانِ في نُبلِ الهدفِ وتقدُّمِ الوطنِ. وتلخِّصُ الخُطبةُ بأن العلمَ والعملَ المتقَنَ حِراسةٌ للإنسانِ وتقدّمٌ للأمةِ، واللهُ لا يضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً.


