يعلن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن تقرير الأونكتاد السنوي حول اتجاهات الاستثمار العالمية يشير إلى أن التعافي المسجل في الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 يظل تعافيًا شكليًا إلى حد كبير، ويدعمه تدفقات مالية عبر المراكز المالية العالمية والاستثمارات كثيفة الرأس المال في قطاعات محدودة كمراكز البيانات وأشباه الموصلات. كما يوضح التقرير أن الاستثمار الحقيقي ظل ضعيفًا ومتركزًا جغرافيًا وقطاعيًا مع اتساع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية ويعزى ذلك إلى مخاطر جيوسياسية وتزايد عدم اليقين وتجزؤ الاقتصاد العالمي. وتؤكد النتائج وجود فجوة كبيرة بين التدفقات المالية العابرة وأنشطة الاستثمار المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، وهو ما يستدعي النظر في السياسات الوطنية والدولية. كما يبرز التقرير مخاطر متزايدة تؤثر في مناخ الاستثمار وتؤثر في قدرة الاقتصادات على تحقيق التنمية المستدامة.

التعافي والواقع العالمي للاستثمار

توضح الأونكتاد أن الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي ارتفع بنسبة 14% في عام 2025 ليصل إلى نحو 1.6 تريليون دولار، وذلك بعد عامين من التراجع. غير أن هذا الارتفاع يعود في جزء كبير منه إلى التدفقات المالية عبر المراكز المالية العالمية، بينما ظل النشاط الاستثماري الحقيقي هشًا ومحدود الانتشار. لذلك يكشف التطور عن فجوة واضحة بين التدفقات المالية العابرة والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، وهو ما يعزز الحاجة إلى ربط السياسات الاقتصادية باستراتيجيات لتعزيز الاستثمار المنتج. وتؤكد النتائج أن معنويات المستثمرين ما زالت ضعيفة وأن التعافي الاقتصادي لا يزال بعيدًا عن تبعات الأساسيات الاقتصادية.

التوزيع الجغرافي والفجوة بين الدول

وتبرز أنماط الاستثمار اتساع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، مع زيادة تركّز الاستثمارات في عدد محدود من القطاعات الاستراتيجية كثيفة الرأس المال. وتستمر الضعف في المشروعات الأكثر أهمية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما في الدول منخفضة الدخل. كما يشير التقرير إلى أن هذه الأنماط تضعف فرص التنمية المستدامة وتقلل من أثر الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي.

وذكرت الأونكتاد أن المراكز المالية العالمية ساهمت بأكثر من 140 مليار دولار من الزيادة المسجلة في تدفقات الاستثمار، ما يعني أنه عند استبعاد هذه التدفقات الوسيطة، لم يتجاوز نمو الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي نحو 5% فقط. وتؤكد أن هذه الصورة تعكس محدودية التعافي في أسس النشاط الاستثماري، وهو ما يتكرر في مؤشرات ضعف ثقة المستثمرين. فقد تراجعت قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود بنسبة 10%، كما انخفض تمويل المشروعات الدولية بنسبة 16% من حيث القيمة و12% من حيث عدد الصفحات، وهو ما يمثل العام الرابع على التوالي من التراجع ويصل إلى أدنى مستوياته منذ 2019.

النشاط الاستثماري الجديد وتوزيعاته

كما انخفض عدد الإعلانات عن مشروعات الاستثمار الجديدة (Greenfield) بنسبة 16%، رغم بقاء القيم الإجمالية مرتفعة نسبيًا نتيجة وجود عدد محدود من المشروعات العملاقة. إلى أن النشاط الاستثماري الجديد أصبح أكثر تركّزًا وأقل انتشارًا جغرافيًا وقطاعيًا. وفي أفريقيا، بلغت التدفقات إلى أنجولا نحو 3 مليارات دولار مسجلة عودة إلى القيم الإيجابية بعد تسع سنوات من صافي التخارج، وظلت مصر أكبر دولة مضيفة لاستثمار مباشر في إفريقيا باستثمارات قدرها 11 مليار دولار، في حين سجّلت موزمبيق زيادة قدرها 80% لتصل إلى 6 مليارات دولار.

القطاعات كثيفة الرأس المال والتقنيات الحديثة

وتزايد تركُز الاستثمار الأجنبي المباشر في المشروعات كثيفة الرأس المال والمدفوعة بالتقنية، إذ استحوذت مراكز البيانات على أكثر من خُمس القيمة الإجمالية لمشروعات الاستثمار الجديدة عالميًا خلال عام 2025، مع استثمارات معلنة تجاوزت 270 مليار دولار، مدفوعة بالطلب على بنية الذكاء الاصطناعي التحتية والشبكات الرقمية. وتصدرت فرنسا والولايات المتحدة وجمهورية كوريا قائمة الدول المستضيفة، إلى جانب جذب أسواق ناشئة مثل البرازيل والهند وتايلاند وماليزيا لمشروعات كبرى. كما أشار التقرير إلى ارتفاع قيمة الاستثمارات المعلنة في مشروعات أشباه الموصلات بنحو 35%، في حين تراجع عدد المشروعات في القطاعات الأكثر تعرضًا للرسوم والمعتمدة على سلاسل القيمة العالمية، مثل المنسوجات والإلكترونيات والآلات. ورغم أن هذه الاستثمارات ترفع الأرقام الإجمالية للاستثمار الأجنبي المباشر، فإنها تبقى مركَّزة وتحقق آثارًا محدودة من حيث نقل المعرفة وخلق الروابط المحلية، وهو ما يستدعي سياسات تربط الاستثمار الرقمي بتنمية المهارات والابتكار وتعزيز القيمة المضافة المحلية.

البنية التحتية والطاقة والتوقعات المستقبلية

وفيما يتعلق بالبنية التحتية والطاقة المتجددة، أوضح التقرير أن المشروعات الدولية سجلت تراجعًا بنسبة 10% نتيجة انخفاض حاد في استثمارات الطاقة المتجددة وتقييم المستثمرين لمخاطر العائد وعدم اليقين التنظيمي. وفي المقابل، شهدت المشروعات التي يقودها مستثمرون محليون تعافيًا قويًا، إلا أن هذا التحول ينذر باتساع فجوات الاستثمار بين الدول التي تعتمد على التمويل الدولي لتنفيذ مشروعات بنية تحتية كبرى. وتبرز الحاجة إلى سياسات تنظيمية وآليات مخاطر وتوفير بيئة تمويلية مستقرة لتعزيز الاستثمارات المحلية والمتوسطة في هذه القطاعات.

التوقعات والسياسات الدولية لعام 2026

يبقى أفق الاستثمار الأجنبي المباشر لعام 2026 محفوفًا بعدم اليقين والهشاشة. وقد تشهد التدفقات زيادة محدودة إذا استمرت أو تحسّنت أوضاع التمويل وتضاعفت صفقات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود، إلا أن النشاط الاستثماري الحقيقي مرشح للبقاء ضعيفًا في ظل التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين في السياسات وتزايد التشرذم الاقتصادي. ما لم تُتخذ خطوات دولية منسقة على مستوى المجتمع الدولي، فإن الاستثمار العالمي سيواصل التركّز في مناطق وقطاعات محدودة.

شاركها.
اترك تعليقاً