ألقى الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية محاضرة فكرية بعنوان: “التنوع الثقافي والتعليمي الديني في المجتمع المصري والنظرة الحديثة للفتوى” كجزء من فعاليات النسخة الرابعة من برنامج الدبلوماسية الشبابية التابع لوزارة الشباب والرياضة. شارك في هذه الفعالية نخبة من الشباب المشاركين في البرنامج. تناولت المحاضرة قضايا التعددية والتعايش، إضافة إلى دور الفتوى في الواقع المعاصر. أكدت الرسالة أهمية الحوار واعتبرت التنوع رصيداً وطنياً يعزز التفاعل الإيجابي بين المختلفين.
التنوع سُنَّة كونية
شدد المفتي على أن التنوع سُنَّة كونية أرادها الله لتحقيق الاستخلاف وعمارة الأرض، وأنه ليس مدخلًا للصراع أو الإقصاء. كما أكد أن الاختلاف في الألوان والأنساق والقدرات يفتح باب التعارف والتعاون وليس التنافر. وأشار إلى أن العمران والتقدم ينعمان بالتعاون بين الناس لا بالتشابه المطلق. وتابع بأن الإحسان في التعامل مع البشر وسائر المخلوقات هو القاعدة التي تربط بين المختلفين.
وحدة الأصل الإنساني
وأشار إلى أن أصل البشر واحد؛ فكل الشرائع السماوية تشترك في هذه القاعدة. وأوضح أن الاختلاف في اللون أو اللغة أو الدين ينبغي أن يكون سبباً للتعارف لا للتنافر. وذكر آيات قرآنية مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]، مؤكدًا أن القيم الأخلاقية الكبرى مثل تحريم القتل والغش والكذب تحفظ كرامة الإنسان وتُجمع عليها الشرائع.
وحذر من أن التفريق بين البشر بناءً على العقيدة أو الجنس لا يبيح التسلط ولا القهر، فالإسلام يحث على الإحسان في المعاملة مع الإنسان وغيره من المخلوقات. وأضاف أن هذا الإطار الأخلاقي يضمن حفظ كرامة البشر في كل الظروف. وتُعدّ هذه القيم أساساً مشتركاً يربط الأمم ويعزز العيش المشترك. كما شدد على أن التعددية لا تعني التنازل عن القيم الثابتة.
حرية المعتقد والضوابط الأخلاقية
أبرز المفتي أن حرية المعتقد أصل راسخ في الإسلام، وأن لا إكراه في الدين، وأن العلاقة بين العبد وربه تقوم على الاختيار والحرية. وأضاف أن الإيمان الصحيح يزهر بالاختيار الواعي وليس بالقهر. وفي هذا الإطار تؤكد النصوص والممارسات أن التنوع ينبغي أن يحافظ على قيم الإنسان وكرامته. وأكد أن الإسلام يفرق بين الاعتراف بالإنسان كإنسان والإقرار بما يعتقده.
الفتوى وتعددية الفكر
سلط المحاضر الضوء على أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وليست حكماً شرعياً ثابتاً. كما أوضح وجود مدارس فقهية متعددة بالرغم من وحدة الدليل، وهو ما يعكس مرونة الشريعة وقدرتها على مواكبة الواقع. ثم استعرض جهود دار الإفتاء المصرية في ترسيخ التعايش عبر مراكز مثل مركز الإمام الليث بن سعد ودور الحوار ووثيقة الأخوة الإنسانية. وأشار إلى أهمية توظيف الوسائط الرقمية والمنصات الاجتماعية في نشر هذه الرسالة والتصدي للتطرف.
التجربة المصرية في التعايش
وعرّف المحاضر بالتجربة المصرية في التعايش من خلال بيت العائلة المصرية ووثيقة الأخوة الإنسانية. وأكد أن هذه المبادرات تعكس ريادة مصر في ترسيخ قيم الكرامة الإنسانية ووحدة الأصل. وأشار إلى أن هذه الجهود تشكل نموذجاً عملياً لتعزيز السلام العالمي والتقليل من الفتن. كما أوضح أن دار الإفتاء تتعامل مع الذكاء الاصطناعي والوسائل الحديثة كأدوات يمكن تسخيرها للخير مع الحذر من هدم القيم.
توجيهات للشباب والهوية
وختم المحاضر بأن الحكمة ضالة المؤمن، وأن الانفتاح يجب أن يصاحبه تمسك بالهُوية والصدق مع النفس. ونصح الشباب بأن يكونوا على طبيعتهم ويستفيدوا من المعارف الأخرى دون فقدان الهوية. ودعاهم إلى بناء شخصيات متزنة والابتعاد عن تقليد نماذج مصطنعة.
تفاعل الحضور
شهدت المحاضرة تفاعلًا ملحوظًا من المشاركين في برنامج الدبلوماسية الشبابية. وطرحوا أسئلة حول دور الخطاب الديني في تعزيز صورة مصر الحضارية إقليميًّا ودوليًّا، وبناء وعي شبابي مستنير capable على تمثيل الدولة المصرية في مختلف المحافل الدولية. كما ناقشوا سبل تفعيل الحوار بين الثقافات المختلفة.


