أظهرت الدراسات أن نزلات البرد المتكررة ليست مجرد مسألة تعرض للفيروس، بل تتأثر بنمط الاستجابة المناعية وتنوع الميكروبات في الجسم. يلاحظ بعض الأشخاص ظهور أعراض شديدة ومتكررة، بينما يظل آخرون بلا أعراض لعدة شهور. تشير النتائج إلى أن الفروق في البكتيريا المعوية والفموية تلعب دوراً محورياً في تنظيم استجابة الجهاز المناعي للفيروسات الشائعة. وهذا يعني أن صحة الجهاز الهضمي والفم قد تؤثر في مدى قدرة الجسم على التصدي للعدوى.
المحور المعوي والفمي في الدفاع المناعي
التنوع في ميكروبات الأمعاء يكوّن قناة اتصال مع الجهاز المناعي، وتعمل هذه المجتمعات الميكروبية كمرشد للخلايا المناعية لتحديد متى تهاجم العدوى ومتى تتوقف عنها. تنتج أنواع بكتيرية معينة أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة تنتقل عبر الدم وتساعد في تهدئة الالتهاب في الرئتين. بهذا تُشكل الأمعاء محوراً رئيسياً بين الأمعاء والرئة، وتكون الرئتان أكثر أماناً عندما يكون التنوع الميكروبي عالياً. وعندما يقل التنوع، تتراجع الإشارات وتزداد احتمالية الإصابة وشدة الأعراض.
الفم كأول خط دفاع
يواجه الفم مسببات الأمراض التنفسية أولاً، حيث يستقبل اللعاب الهواء والطعام الداخلين. وتسكُن في الفم مجتمعات بكتيرية كثيفة تتنافس وتنتج مركبات مضادة للميكروبات تساعد في حماية سطح الغشاء المخاطي. حين يختل التوازن تصبح الكائنات الضارة أكثر انتشاراً وتزداد فرص العدوى في المجرى التنفسي السفلي. كما أن العادات اليومية مثل التغذية السكرية وتكرار تناول الوجبات الخفيفة وتدخين الفم تفضي إلى بيئة أكثر ملاءمة للنمو الممرض.
بداية الحياة وتكوين الميكروبات
تبدأ القصة قبل الولادة، فالأطفال المولودون قيصرية يكتسبون تشكيلة مختلفة من الميكروبات مقارنة بالأطفال الذين يولدون بشكل طبيعي. كما أن دورات المضادات الحيوية في السنوات الأولى قد تضعف التنوع الميكروبي وتؤثر على المناعة لاحقاً. يميل الأطفال بقلة التنوع البكتيري إلى الإصابة بنزلات البرد والتهابات الأذن بشكل متكرر. وبحلول سن البلوغ قد يعاني بعض الأشخاص من نزلات برد متكررة بينما يستقر النمط لدى آخرين.
دور العادات اليومية
تلعب العادات اليومية دوراً في استجابة الجهاز المناعي عند مهاجمة الفيروسات. يؤدي النظام الغذائي منخفض الخضار والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة إلى جوع البكتيريا المخمرة للألياف، ما يضعف استقرار المجتمع الميكروبي. المواد الغنية بالسكريات والمضافات وتكرار تناول الدهون قد تشجع أنواعاً مسببة للالتهاب. كما تؤثر مستويات الكورتيزول وقلة النوم وقلة النشاط البدني في تنوع الميكروبات وتوازنها، وهذا بدوره يحدد مدى حماية الجسم من العدوى على مدى الشهور والسنوات.


