توضح دراسة أوابك أن جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك تملك 36.1 مليون طن من المعادن الأرضية النادرة والاستراتيجية. وتقدر وكالة المسح الجيولوجي الأميركية أن نحو 1.5 مليون طن منها قابلة للاستخراج اقتصادياً، مع وجود نحو 37 من أصل 60 معدن تُصنّفها الولايات المتحدة كمعادن حرجة. وترتبط الموارد الكبرى في الجزيرة بشبه القطب الشمالي، حيث تُشير تقارير إلى وجود نحو 7% من المياه العذبة العالمية في صفائحها الجليدية. وتوضح السمات الجغرافية والبيئية للجزيرة أن مساحتها تتجاوز 2.17 مليون كيلومتر مربع وتغطي طبقة جليد تشكل عائقاً أمام الاستثمار وتتطلب بنية تحتية ضخمة.

الموارد والأنظمة التنظيمية

وتشير الدراسة إلى أن منجم Kvanefjeld يمثل أحد أبرز المشاريع غير المطورة عالمياً، بقدرته على أن يكون مورداً رئيسياً للمعادن الأرضية النادرة، وبخاصة المعادن المغناطيسية اللازمة لتقنيات الطاقة المتجددة وتكنولوجيا الهواتف الذكية. وتقدر احتياطيات المنجم بأنها تكفيه لأكثر من 37 عاماً، ما يعزز مكانته كخيار استثماري كبير إذا جرت خطوات التطوير. ويواجه المشروع تحديات تنظيمية؛ فالمجلس التشريعي لجرينلاند أصدر قانوناً في 2021 يحظر التنقيب إذا تجاوز متوسط محتوى اليورانيوم 100 جزء في المليون، وهو يظل أدنى من تركيز اليورانيوم المصاحب للمعادن الأرضية في Kvanefjeld البالغ نحو 360 جزءاً في المليون. وبالإضافة إلى ذلك، دخل قانون التعدين الجديد الذي نفذ في 1 يناير 2024 حيز التنفيذ كإطار منظّم لاستكشاف التعدين وإنتاجه، وهو يوفّر إجراءات أكثر شفافية للرخص ويشترط تقييم الأثر البيئي والاجتماعي وتسجيل الشركات محلياً، مع تعزيز مشاركة العمالة والموردين محلياً وربط العوائد بالتنمية الاقتصادية المستدامة وتقليص الاعتماد على الدنمارك.

الأبعاد الاقتصادية والسياسية

وتشير الدراسة إلى أن جرينلاند تعتمد بشكل كبير على الدعم من الدنمارك، حيث يقدّم الأخير نحو 511 مليون دولار سنوياً يمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي للجزيرة. وفي إطار تمويل المشاريع، قدم بنك التصدير والاستيراد الأميركي قرضاً بقيمة 120 مليون دولار في يونيو 2025 لتطوير مشروع Tanbreez في جنوب الجزيرة، كما زادت شركة Amaroq الدنماركية المالكة لمحفظة المعادن الحيوية من حصتها وأبدت اهتماماً بتمويل Amitsoq للجرافيت. وقّعت الاتحاد الأوروبي وحكومة جرينلاند في نوفمبر 2023 مذكرة تفاهم لتعزيز شراكة استراتيجية تهدف إلى بناء سلاسل قيمة مستدامة للمعادن الحرجة بما يسهم في أمن الإمدادات الأوروبية والتحول الأخضر. وتشهد العلاقات مع الصين نشاطاً عبر شركة Shenghe التي دخلت في شراكة مع حكومة جرينلاند في 2016 لاستثمار في منجم Kvanefjeld بحصة بلغت 10.5%، ثم أُنشئت شركة Shenghe Resource في 2019 مع كيانات تابعة للمؤسسة الوطنية الصينية للطاقة النووية لاستكشاف مشروعات تجارة ومعالجة المعادن، لكنها لم تتقدم بسبب القوانين الداخلية.

وتبقى الأنشطة النفطية في جرينلاند جزءاً من الاهتمامات الدولية منذ سبعينيات القرن الماضي بمشاركة شركات كبرى مثل شل وشيفرون وإكسون موبيل وإيني، وإن كانت نتائجها حتى الآن غير حاسمة. ووفقا لتقرير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في 2007 فقد يُحتمل وجود نحو 31.4 مليار برميل من النفط المكافئ في شمال شرق الجزيرة، إلا أن حكومة جرينلاند قررت في 2021 تعليق إصدار تراخيص التنقيب في المياه الإقليمية نظراً لارتفاع التكلفة البيئية والاقتصادية مقارنة بالعوائد المحتملة. في الوقت نفسه، يرى المراقبون أن موقع الجزيرة يمنحها أهمية استراتيجية لمراقبة الممرات البحرية التي قد تتحول مستقبلاً لطرق تجارية لنقل النفط مع ذوبان الثلوج وتغير حركة الشحن، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية. وتعكس التطورات مساراً يمزج بين الأمن والطاقة والتجارة وتوازن القوى، حيث تبقى جرينلاند محطة فاعلة في إعادة تشكيل خرائط الإمدادات العالمية وتحديد مسارات التعاون والتنافس في قطاع المعادن الحرجة والطاقة.

شاركها.
اترك تعليقاً