التحسّن الذاتي طريق هادئ نحو نسخة أفضل من أنفسنا
يسعى كثيرون إلى تحسين أنفسهم بسرعة كأن السعادة والنجاح سباق لا يتوقف، لكن الضغط المستمر غالبًا ما يقود إلى الإرهاق ومحاسبة الذات والشعور بنقصان، بدل أن يحقق نموًا حقيقيًا ومتوازنًا.
توضح اختصاصية الصحة النفسية الدكتورة فرح الحر أن التحسّن لا يعني أن نصير أشخاصاً آخرين، بل أن نتحرّك كل يوم بخطوة صغيرة واعية ولطيفة في الاتجاه الصحيح. من منظور نفسي، يرتبط السعي للكمال بارتفاع مستويات الأرق وجلد الذات والإرهاق العاطفي. النسخة الأفضل ليست خالية من العيوب، بل أكثر وعياً ورحمة بالنفس، وأكثر صدقاً مع احتياجاتها.
وترى أن التحول الحقيقي لا يبدأ من فكرة “أنا ناقص” بل من قناعة “أنا إنسان، وأستحق أن أَنمو بهدوء”.
إذا أردنا التحسّن من دون ضغط، فالبداية تكون من الوعي لا من مجرد الرغبة في التغيير. الدماغ لا يحبّ التغيير المفاجئ، بل يستجيب بقوة للوعي المتكرر. فعلى سبيل المثال، يمكننا أن نسأل أنفسنا: ماذا أحتاج اليوم؟ ماذا أحتاج الآن؟ ما الذي يرهقني فعلًا؟ ما السلوك الصغير الذي لو تغيّر لخفّف عنّي؟
فالتحسّن المستدام يبدأ من ملاحظة الأفكار وفهم المشاعر واحترام الإيقاع الداخلي لكل إنسان.
أما تطوير الذات اجتماعياً، فلا يعني الانعزال عن المجتمع؛ فالكثير يشعرون بالذنب حين يقولون “لا” أو حين يضعون حدوداً أو حين يختارون أنفسهم، لكن الشخص المتوازن نفسيًا هو الأقدر على العطاء الاجتماعي. فعندما نكون نسخة أفضل من ذواتنا، تتحسّن علاقاتنا الاجتماعية وتصبح تواصلنا أكثر صدقاً وتُرسم الحدود الصحيّة بدل الوقوع في الاستنزاف.
وفيما يتعلّق بالخطوات العملية للتحسّن من دون إرهاق، ليس مطلوباً الإكثار من العادات أو فرض روتين صارم على النفس. لا حاجة إلى عشر عادات جديدة، ولا إلى قراءة خمسة كتب تطوير ذات في وقت واحد. يكفي اعتماد عادة واحدة، وفكرة صحيحة واحدة، وقرار رحيم بالنفس.
ومن المهمّ تغيير لغة الحديث الداخلي؛ فبدلاً من محاسبة الذات بعبارات مثل “أنا ضعيف” أو “أنا فاشل”، يمكن القول: “أنا أتعلم”، أو “ما زلت في الرحلة”، أو “التجربة فشلت، لا أنا”. فالعقل يتأثّر بالكلمات التي نكرّرها له.
كما أنّ الإصغاء إلى الصوت الداخلي واحتياجات الجسد ضرورة، ولا سيّما حين نحتاج إلى فترات توقّف. فالرّاحة ليست فشلًا، بل إعادة تنظيم وشحنًا عاطفيًا وعصبياً واستعادةً للتوازن؛ فالنمو لا يحدث بالحركة وحدها، بل يحدث أيضاً في السكون والصمت.
والمقارنة لا تقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي بل تمتد إلى العائلة والعمل والعمر. لذلك من المهمّ أن نذكّر أنفسنا بأننا لسنا متأخّرين، بل نسير في مسار مختلف. وفي كل مقارنة نسأل: ما الذي لا أراه في حياة الآخر؟ وما الإنجازات التي تجاوزتها ولم أعد أراها؟
النسخة الأفضل من الإنسان ليست نسخة خالية من العيوب. فكما يحتاج الإنسان إلى تنظيف أفكاره والتصالح مع مشاعره السلبية والتعلم منها دون لغة وجوب وإلزام قاسية، يجب مراقبة مصادر الاستنزاف الخفية، سواء كانت علاقات مُرهقة، أو متابعة أخبار مُقلقة، أو أفكاراً متكررة، أو نمط حياة يفتقر إلى التوازن. أحياناً لا يحتاج تحسين الحياة إلى إضافات جديدة، بل إلى إزالة ما يُثقِلها.
وأخيراً، لا بد من إعادة تعريف النجاح؛ فالنجاح النفسي قد يكون نومًا أفضل، وهدوءاً داخلياً، وحدوداً أوضح مع الآخرين. وليس كل نجاح ما يستحق التصفيق العلني. والأهم أن يكون الإنسان صديقاً لنفسه عند الخطأ، فالنقد القاسي يترك آثاراً نفسية عميقة.
كما تساعد الطقوس الصغيرة المنتظمة، مثل التنفّس قبل النوم، أو التأمّل، أو الكتابة، أو الامتنان، على منح الدماغ إحساسًا بالأمان والاستمرارية، وتدعم روتيننا اليومي بهدوء واستقرار.


