يعدّ الوعي الذاتي جزءاً أصيلاً من التطور الشخصي للشباب، وهو يتطلب وعي الحياة ومتطلباتها، ولا يأتي بمجرد قراءة كتاب أو الالتحاق بدورة تدريبية، بل هو أسلوب حياة يتعلمه الشاب تدريجيًا على مدار الزمن.
إعداد: إيمان محمد
ما هو الوعي الذاتي؟
تعرّف مريم بواطنه، كوتش ومرشدة في التشافي العاطفي والأسري، الوعي الذاتي بأنه القدرة على رؤية النفس من الداخل: مشاعرك، دوافعك، أنماطك، والقصص التي تردّدها عن ذاتك. ليس مجرد وصف لصفات عامة مثل “أنا حساس” أو “أنا عصبي”، بل فهم سبب ظهور هذه الصفات وكيف تتكوّن وفي أي لحظة قد تتحول إلى نمط يوجّه قراراتك من دون وعي.
الوعي الذاتي للشباب
الوعي الذاتي سلوك يومي يترجم إلى طريقة تعامل مستمرة مع الذات والعالم، وهو ما يبدأ بتحويل الوعي من مجرد وصف إلى استكشاف أعمق. وتؤكد مريم أن الوعي ليس صفات ثابته بل مسار يتطلب متابعة وتقصياً داخلياً باستمرار.
تضع مريم مجموعة من المؤشرات لقياس الوعي الذاتي لدى الشباب وتوضح أن الوعي يبدأ عندما تنتقل من الوصف إلى الاستكشاف: لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟ ما الذي يحدث داخلياً قبل أن أفعل ما أفعل؟ وما الذي أحاول حمايته أو تجنّبه؟ ولماذا يفقد الشباب الوعي الذاتي أحياناً؟
تشير الخبيرة إلى أهمية الوعي الذاتي وتوضح أن جذور السلوك والقرارات تعود إلى أنماط قديمة تشكلت في الطفولة أو عبر تجارب لم تُعالج، وتعمل كبرامج تشغيل داخلية تفعّل ردود فعل تلقائية في مواقف محددة. والشخص الواعي لا يكتفي بملاحظة النتيجة، بل يسأل: من أين جاء هذا؟ ما الذي أحاول الهروب منه؟ وما الذي أبحث عنه دون أن أعترف لنفسي؟
العلاقة مع المشاعر تشكل أحد أبرز مؤشرات مستوى الوعي، فهل نتعامل معها كأعداء يجب كبتها أم كرسائل تحتاج للفهم؟ فالغضب، على سبيل المثال، غالباً ما يكون قناعاً لألم أو خوف أو شعور بالعجز أو حدود تم انتهاكها. ويرى الشخص منخفض الوعي أنه يغضب ثم يبرر نفسه، بينما يسأل الشخص الواعي: ماذا يحاول هذا الغضب أن يخبرني؟ وتحويل المشاعر من “انفعالات” إلى “معلومات” مهارة يمكن تعلمها.
توضح كوتش مريم أن طريقة التعامل مع النقد لها دور بارز في الوعي الذاتي، فهل تشعر بالتهديد فوراً أم تملك المساحة الداخلية للتساؤل قبل الرد؟ ويحدد الشخص الواعي بأنه لا يقبل النقد كاملاً، ولا يرفضه تلقائياً، بل ينقّحه ليستخلص ما يخدم تطوره.
تكرار العلاقات تشكل بمثابة مرايا دقيقة؛ حين تتكرر الجروح نفسها مع أشخاص مختلفين، غالباً هناك جزء داخلي لم يفهم بعد. الوعي هنا يعني تحمل مسؤولية قصتك الداخلية بدل إلقاء اللوم على الخارج.
الوعي ممارسة لا معرفة: يذكر الخبراء أن الخطأ الشائع بين الشباب هو الاعتقاد بأن القراءة والحضور يكفيان، لكن المعرفة لا تتحول إلى وعي إلا حين تُختبر في لحظات الانفعال والخسارة والاختيار الصعب. ويؤكدون أن الوعي يُقاس بما تفعله عندما تُستفز، لا بما تقوله وأنت هادئ، وهو ليس محطة تصل إليها؛ بل طبقة أعمق تستدعي اليقظة المستمرة.
خطوات عملية لتعميق الوعي الذاتي
تساعد خطوات عملية في تعزيز الوعي الذاتي عبر تغيير السلوك اليومي من خلال مجموعة ممارسات: تسمية المشاعر بدقة عند ظهور رد فعل قوي دون تبرير أو تجميل؛ سؤال الجذر ثلاث مرات بعد كل إجابة للوصول إلى الدافع الحقيقي؛ تجربة التأخير بمنح النفس عشر دقائق للتنفس والملاحظة قبل اتخاذ القرار الانفعالي؛ تدوين الأنماط والعلاقات المتكررة والنتائج المشابهة لتظهر لك خيوط داخلية واضحة؛ طلب مرآة آمنة من شخص موثوق ليصف لك سلوكك في مواقف محددة بدون حكم أو مجاملة.
وتختتم كوتش مريم حديثها بأن الوعي الذاتي هو التزام مدى الحياة، التزام بالصدق، والتواضع، وبالعمل المستمر على النفس. هو ليس لتجميل صورتك، بل لتحريرك من برمجيات قديمة تمنعك من الاختيار الحر.
اقرئي كتب عن العلاقات والحياة النفسية بلغة عربية مبسطة لتدعيم الفهم والتطبيق اليومي.


