يبدأ النضوج بفهم الذات والاعتناء بها. لا يعني التوازن السعي إلى الكمال أو التقليد بنماذج جاهزة يفرضها المجتمع أو الصورة الرقمية اللامعة، بل يبدأ من فهم أعمق للذات، والقدرة على الإصغاء للاحتياجات الداخلية، واتخاذ خطوات صغيرة يومية، واعية ولطيفة في الاتجاه الصحيح. إن الوعي الذاتي هو حجر الأساس في هذا المسار؛ فهو يمكّن الإنسان من التمييز بين ما يريده حقاً وما يُملى عليه، وبين طموح صحي يحفّز النمو وضغط داخلي يستنزفه ويؤدي إلى جلد الذات والإرهاق.

ومن ثم تبرز مجموعة من المفاهيم الأساسية التي يحتاج كل شاب وفتاة إلى استيعابها في مرحلة بناء الهوية وتشكيل ملامح الحياة المستقبلية، وهي مفاهيم تتعلق بإدارة المشاعر وبناء العلاقات الصحية وتحديد الأولويات والتعامل مع الفشل والنجاح بوعي ونضج، والحفاظ على التوازن بين الطموح والراحة النفسية.

فالحياة المتوازنة ليست غياب المشكلات، بل القدرة على التعامل معها بمرونة ووعي، وتحويل التجارب اليومية – بما فيها التعثّر – إلى فرص للتعلم والنمو الداخلي.

النضوج ليس في أن تصبح شخصاً آخر، بل في أن تتعرّف إلى نفسك أكثر، وتتصالح مع عيوبك، وتعمل عليها بلا قسوة.

كل شاب وفتاة بحاجة إلى أن يفهما أن الطريق إلى حياة متوازنة ليس مستقيماً دائماً، وأن التعثّر جزء من الرحلة، وأن الرحمة بالنفس ليست ترفاً بل ضرورة.

حين نفهم هذه الحقائق بعمق، نبدأ ببناء حياة أكثر وعياً، وأقل ضغطاً، وأكثر انسجاماً مع ذواتنا الحقيقية.

ما رأيك متابعة لماذا يكرر الشباب والبنات نفس الأخطاء؟

وجهة نظر أهل الاختصاص

ساندرا فاعور، الاختصاصية في الصحة النفسية، تعرض السؤال: ما هي الأمور التي نتمنى لو فهمناها في وقت أبكر، قبل بعض الاختيارات، قبل التعلّقات، قبل أن نخلط بين شدّة المشاعر والحب، أو بين الصمت والسلام؟

وتجيب بأن الدروس لا تصل عبر النصائح أو التحذيرات فقط، بل تأتي بهدوء عبر التجربة، ومن خلال علاقات تعيد تشكيلنا، وخيبات تكسّر غرورنا، ولحظات وعي تغيّر الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين.

وتشير إلى أن هذه التجارب لا تصرخ، ولا تطالب بالكمال؛ إنها تبقى معنا بهدوء، وتؤثّر في خياراتنا، وفي كيفيّة حبّنا، وفي رسم حدودنا، وفي عودتنا إلى ذواتنا حين تُثقِلنا الحياة.

وتذكر لكل شابّ وشابة يخوضان رحلة النموّ وبناء الهويّة والبحث عن التواصل حقائق تستحق أن نحتفظ بها في وعينا.

وتشير فاعور إلى عشر حقائق يجب الاحتفاظ بها: أولها النضج ليس بالعمر بل بالوعي؛ ثانيها الحب لا يثبت بالتضحية الدائمة؛ ثالثها النجاح ليس دائماً صاخباً؛ رابعها ليس كل رد فعل يستحق طاقتك؛ خامسها الحدود ليست نقصاً في الحب؛ سادسها الشفاء ليس مساراً مستقيماً؛ سابعها المقارنة تُشوِّه الواقع؛ ثامنها أن تكوني مطلوبة ليس يعني أن تكوني مقدَّرَة؛ تاسعها قد يوجد الشعور بالوحدة حتى داخل العلاقات؛ عاشرها قيمتك موجودة قبل الإنجاز وقبل القبول وقبل أي تصديق خارجي.

وقد يواجه الشباب تحديات في بناء هويتهم، وهذا جزء من الرحلة. وتختم فاعور بالقول: في عالمٍ يدفع الشباب نحو الأجوبة السريعة واليقين الجاهز والتصنيفات، يمنح فهم هذه الحقائق شيئاً أهدأ: الوضوح. ليس الوضوح الذي يلغي الصراع، بل الذي يسمح لنا بالعبور خلاله بقدر أكبر من الوعي، والرحمة، واحترام الذات. أحياناً أن نعرف أقل لكن نفهم أفضل هو حيث يبدأ النمو الحقيقي.

شاركها.
اترك تعليقاً