نشأة القطاع العام
أصدر محمد علي باشا أمرًا بإغلاق الورش الأهلية التي كانت تُنتج الأقمشة القطنية، وأنشأ مصانع حكومية مزودة بآلات حديثة للنسيج في القاهرة. حوّل أصحاب الورش والحرفيين إلى عمال مأجورين لدى الدولة، فانتقل النشاط من مبادرة فردية إلى إدارة مركزية تخضع لسلطة الحكومة. شكل هذا التحول النواة الأولى لتأسيس القطاع العام الصناعي في مصر، مع رعاية خاصة للصناعات التي تخدم مشروعه العسكري وتدعم بناء دولة قوية. أبرزت هذه الخطوات مفهوم رأسمالية الدولة، حيث تقود الدولة العمليات الاقتصادية وتخططها وتنسّقها وتوجهها.
ركز محمد علي على الصناعات التي تخدم أهدافه، فوسع اهتمامه ليشمل قطاعات الغزل والنسيج والصناعات المعدنية والكيماوية، مع تخصيص موارد لتوفير المعدات العسكرية. أنشأ عشرات المصانع في القاهرة والوجهين البحري والقبلي، وتبنى إنتاجاً مركزياً يخدم الدولة ويعزّز قدرتها على مواجهة التحديات. اعتمد النظام الجديد على إدارة مركزية للإنتاج والحسابات بهدف تقليل الاعتماد على المبادرات الفردية وتحقيق كفاءة أعلى. رأى الاقتصاديون في هذه التحولات تطبيقاً عملياً لمفهوم رأسمالية الدولة، حيث توجه الدولة وتنسق وتخطط الأنشطة الاقتصادية.
المشروعات الأساسية في العصر الأول
أقام محمد علي قطاعاً صناعياً متكاملاً بدأ بقطاع الغزل والنسيج وأنشأ معامل سبك الحديد لتزويد المصانع والجيش بالمعدات. كما أنشأ مصانع للأصباغ النيلة لتغطية احتياجات الصناعات النسيجية ووفّر مكونات جديدة للإنتاج. بنى مصنعاً للألواح النحاسية في قلعة صلاح الدين لتلبية احتياجات الصناعات المعدنية، إضافة إلى مصانع السكر والجلود والصابون والزجاج. أنشأ الترسانة الحربية في القلعة وتطوير معاصر للزيوت وورش حدادة لتوفير أدوات ومعدات حكومية ذات جودة عالية.
أما الترسانة البحرية بالإسكندرية فبدأ العمل بها في يونيو 1829م وأُنزلت أول سفينة إلى البحر في يناير 1831م، فشكلت قاعدة صناعية بحرية في مصر الحديثة. كما أنشأ ترسانة بولاق لتجهيز أجزاء السفن التي تُجمَّع لاحقًا في السويس، وكانت هذه المشروعات تتكامل مع سياسة التوسع الصناعي والتصديري التي اتبعها الحكم. وتوثّقت السياسة الاقتصادية بتوجيه جزء من القطن المغزول إلى الموانئ الإيطالية حيث يعاد توزيعه داخليًا وتُباع أجزاء منه محليًا وتُصدر إلى الشام والأناضول. تم تبني نمط إدارة مركزي يركز على تعزيز قدرة الدولة في توجيه الموارد وتطوير البنية الإنتاجية.
البنك والخصخصة
أنشأ محمد علي بنكًا عامًا في 1843 بالشراكة مع الخواجة مخالى توسيجة وتاجر فرنسي، بهدف مكافحة التزوير وتنظيم التعاملات النقدية وتحويل المبيعات المؤجلة مقابل فائدة سنوية. حدد رأس المال بمقدار سبعمئة ألف ريال فرنسة، تساهم الحكومة فيه بمبلغ أربع مئة ألف ريال فرنسة، فيما قدَّم الشركاء مائة وخمسين ألف ريال فرنسي لكل منهما. استقر مقر البنك في الإسكندرية مع فرع في القاهرة وتعيين وكيل للإشراف عليه وتنظيم أعماله. كما لجأ للحكومة في الخصخصة عام 1835 لوقف الخسائر في المصانع الحكومية وتخفيف التكاليف على الدولة، وهو ما مثل خطوة رئيسة في إعادة تشكيل هيكل القطاع العام.


