أظهرت دراسة حديثة أن موقف الأطفال من الرشوة لا يتشكل بصورة فطرية، بل يتطور تدريجيًا مع التقدم في العمر. وأشارت النتائج إلى أن التطور الإدراكي يلعب دورًا رئيسيًا في هذا التحول. وأوضح فريق البحث بقيادة بوليفار رييس-جاكويز من جامعة نيو هامبشير الأمريكية أن التطور الإدراكي يضطلع بدور محوري في هذا السياق. شملت التجارب نحو 700 طفل من النرويج وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة وتراوحت أعمارهم بين 3 أعوام و11 عامًا. تهدف النتائج إلى فهم متى يتحدد موقف الرشوة وما مدى تأثير العمر والثقافة في ذلك.
في التجربة الأولى لعب الأطفال دور أعضاء هيئة تحكيم في مسابقة رسم. كان أمامهم رسومتان، إحداهما عالية الجودة، إلى جانبها بطاقة هدية تبلغ قيمتها نحو 10 يورو كرشوة. وطُلب من أعضاء لجنة التحكيم الصغيرة الإجابة عن سؤالين: هل ينبغي الاحتفاظ بالهدية أم رفضها، وأي الرسمة تفوز؟. أشار فريق البحث إلى أن العمر كان العامل الوحيد الذي تنبأ بقرارات الأطفال في هذه المسألة. فكان الأطفال الأصغر سناً يقبلون الهدية بوتيرة أعلى عبر الثقافات، بينما يميل الأكبر سناً إلى رفضها.
ولتصحيح فهم العدالة بشكل أدق، أجرى الباحثون تجربة ثانية طلب فيها توزيع خمس قطع حلوى على طفلين. وُزعت الأربع قطع بشكل عادل، وترك القرار للطفل في توزيع القطعة الخامسة. وعكست التجربة توزيعاً غير متكافئ إلى حد ما بين الأطفال. وأشارت النتائج إلى وجود تفاعل بين البلد والعمر، حيث كان أطفال ما قبل المدرسة في إيطاليا أكثر تسامحاً مع عدم المساواة مقارنة بنظرائهم في النرويج والولايات المتحدة. مع تقدم العمر، تلاشت هذه الفروق الثقافية، ورُفضت عدم المساواة بالقدر ذاته من قبل الأطفال الأكبر سناً في جميع البلدان.
وتؤكد النتائج أن ردود الأطفال في التجربتين تكشف آليات تعلم الأخلاق التي تمتد حتى مرحلة البلوغ. يرى الباحثون أن السلوك الأخلاقي لا ينشأ فقط من شعور فطري بالعدالة بل يحتاج إلى تعلم وتربية. وعلى الرغم من أن العوامل الثقافية تلعب دورًا في توقعات الهدايا وآداب اللباقة، فإن النضج والتربية يظلان عاملين حاسمين. فمن يفهم مبكراً أن بعض الهدايا ليست علامة على اللطف بل وسيلة للتأثير المقصود قد يفكر لاحقًا بمزيد من الحذر في قبول مثل هذا العرض.


