تشير بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي إلى أن مساهمة أنشطة الاتصالات والمعلومات في الناتج المحلي الإجمالي لمصر بلغت 2.7% في العام المالي 2024/2025 وفقاً لتكلفة عوامل الإنتاج والأسعار الجارية. وتوضح الإحصاءات أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي لقطاع الاتصالات بلغ 13.8% في 2024/2025، ليكون نشاط الاتصالات أعلى معدل نمو بين الأنشطة الاقتصادية بعد قطاع المطاعم والفنادق. كما تشير النتائج إلى أن نشاط المعلومات حقق نموًا حقيقيًا قدره 3.8% في عام 2024/2025، مما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا القطاع في الاقتصاد الوطني. وتؤكد البيانات استمرار الاهتمام الحكومي بالبنية الرقمية كعامل رئيس في تعزيز النمو وتوفير فرص عمل ورفع القدرة التنافسية وفق رؤية 2030.

تشير التقديرات إلى أن صناعة البرمجيات وخدمات التعهيد في مصر تتبوأ مكانة عالمية كوجهة رئيسية في خدمات تكنولوجيا المعلومات المرتبطة بالابتكار التقني. وتستضيف مصر عدداً من الشركات متعددة الجنسيات الرائدة وتوفر بنية خدمات متطورة، إضافة إلى وجود أكثر من 150 مركزاً يقدم الخدمات العابرة للحدود لخدمة أكثر من 100 دولة. كما تضم مصر شركات مدرجة ضمن قائمة فورتشين 500 لعام 2025 وتوفر حزمة واسعة من الخدمات المعرفية والهندسية التي تدعم التوسع في الأسواق العالمية. وتؤكد هذه التطورات أن مصر تحافظ على مكانة بارزة كمركز عالمي في هذا القطاع الحيوي.

وفيما يتعلق بتصنيع الأجهزة الإلكترونية، عقدت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات حزمة حوافز لاستقطاب الاستثمار في تصميم الإلكترونيات وتصنيعها بهدف تلبية احتياجات السوق المحلي والتوسع في أسواق المنطقة. بلغت استثمارات الشركات العالمية خلال 2022 نحو 2 مليار جنيه لتصنيع الهواتف المحمولة وأجهزة حاسب لوحي بطاقة إنتاج تصل إلى 20 مليون جهاز سنويًا. وفي خطوة استراتيجية خلال 2022 تم التوصل إلى اتفاق مع Oppo لإقامة مصنع جديد في مصر بطاقة إنتاجية 4.5 ملايين وحدة سنويًا وباستثمارات نحو 20 مليون دولار، وهو ما يعزز مركز مصر كقوة تصنيع إقليمية. وفي 2023-2024 ارتفع عدد الشركات المتخصصة في تصميم الإلكترونيات إلى نحو 70 شركة، ثم وصل العدد بنهاية 2024 إلى 75 شركة مع وجود أكثر من 9 آلاف عامل. كما شهدت الفترة ذاتها ارتفاع معدل النمو لأعداد الشركات بنحو 31.6% خلال 2022-2024، وتأسست 8 شركات جديدة في 2023 في مجال التصميم والأنظمة المدمجة، إضافة إلى تأسيس مصنعين للساعات الذكية وإكسسوارات الهواتف والسماعات اللاسلكية.

جهود الدولة في دعم الصناعات التكنولوجية

اعتمدت الحكومة جملة من الاستراتيجيات التي تضع الصناعة الرقمية في صلب النمو الاقتصادي. تشمل الاستراتيجية مصر الرقمية لخدمات التعهيد 2022-2026، واستراتيجية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 2030، إضافة إلى الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. وأعلنت مبادرات مثل مصر تصنع الإلكترونيات (EME)، وبرنامج Kreativa، وبرنامج Invest، ومبادرة Export-IT لتعزيز التصدير وتوطين الصناعات الرقمية. وتأتي هذه الجهود في إطار بناء منظومة وطنية تعزز الابتكار وتفتح آفاق التصدير للخدمات الرقمية والمنتجات الإلكترونية.

أطلقت الحكومة أيضاً مراكز الإبداع والتصنيع الرقمي في المحافظات لتشجيع الشباب ورواد الأعمال على تطوير أفكارهم ومشروعاتهم التكنولوجية، وتضم معامل تطوير الإلكترونيات وإنترنت الأشياء ومختبرات النمذجة الرقمية ومناطق للعمل الرقمية التي تدعم الشركات الناشئة في البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتطبيقات المبتكرة. وتوفر هذه المراكز بنية تحتية متكاملة تعزز من إمكانات النقل المعرفي إلى الإنتاج وتدفع بمسارات الاقتصاد الرقمي إلى مراحل متقدمة. كما أطلقت الحكومة مدينة المعرفة بالعاصمة الجديدة وتبنت سياسات تنظيمية داعمة لبيئة عمل الصناعات التكنولوجية مع إصدار العديد من القوانين واللوائح. وتؤكد هذه الخطوات حرص الدولة على تحويل الأفكار إلى إنتاج وتسريع التحول الرقمي عبر بيئة حاضنة وممولة للمشروعات الرقمية.

تركزت الجهود أيضاً على بناء القدرات البشرية والتدريب عبر مبادرات مستقبلنا رقمي ومبادرة 500-500 وبناة مصر الرقمية، إلى جانب تعزيز منظومة الدعم والإرشاد للمبتكرين والشركات الناشئة. وتأتي هذه المبادرات مع جهود تطوير الإطار التنظيمي وشبكات الحماية اللازمة وتوفير فرص التمويل والتأهيل التقني. وتؤكد الحكومة أن التدريب المستمر ونقل المعرفة يسهمان في رفع كفاءة القوة العاملة وتلبية احتياجات الشركات المحلية والعالمية في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والهندسة والتصميم الإلكتروني والتقنيات المدمجة. كما تُربط هذه الاستثمارات بشبكات المراكز البحثية والجامعات لدفع البحث التطبيقي نحو الإنتاج والتصدير.

المكانة العالمية ومؤشرات الأداء

تشير الأرقام التي عرضها المركز إلى أن مصر لم تعد دولة مستوردة للصناعات التكنولوجية فحسب، بل تحجز مكانة متقدمة كمصدر في هذه الصناعات، وهو ما يعكس تعاظم قدراتها الإنتاجية والابتكارية. بلغت قيمة صادرات خدمات الاتصالات والحاسب الآلي والمعلومات 1.7 مليار دولار في 2024 مقارنة بـ 0.9 مليار دولار في 2013، وتزايدت هذه الخدمات بنحو 89% خلال الفترة 2013-2014 بما يعكس نموًا سريعًا في قطاع التعهيد. كما بلغت قيمة الصادرات التكنولوجية المصرية من أهم المنتجات في 2024 نحو 2 مليار دولار، في حين بلغت الواردات 3.4 مليارات دولار، وبلغت الفجوة بين الصادرات والواردات 1.4 مليار دولار في 2023 و2024 وهو الأقل خلال الفترة 2013-2024. وتبرز هذه المعطيات مدى التغير في الديناميات التجارية لصناعات مصر التقنية وتطورها نحو التصدير أكثر من الاعتماد على الواردات.

وفي 2024 استأثرت صادرات شاشات العرض وأجهزة الفيديو الرقمية بواقع 44.5% من قيمة الصادرات التكنولوجية، تليها المحولات ومصادر الطاقة الإلكترونية بنسبة 4.3%. وتؤكد هذه الحصة الكبرى في منتجات عالية التقنية قدرة السوق المصري على التخصص في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية وتوفير منظومة إنتاج محلية قادرة على تلبية الطلب المحلي والإقليمي. كما أشارت المؤشرات إلى أن مصر تتقدم في مؤشر الابتكار العالمي GII حيث تحسن الترتيب من 96 عالميًا في 2020 إلى 86 عالميًا في 2025، وهو ما يعكس ارتفاع مستويات البحث والتطوير وتدفق المعرفة وإمكانات التعلّم الآلي والابتكار في السوق المحلي. وتدعم هذه النقلة أن البيئة المحفزة للابتكار في مصر تواصل استقطاب الاستثمارات وتثبت قدرتها على دعم التحول الصناعي إلى التصنيع الذكي.

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن قيمة صادرات السلع عالية التكنولوجيا عالميًا بلغت 3.6 تريليونات دولار في 2023، بانخفاض قدره 4% عن 2022، بينما ارتفعت نسبة إسهامها من إجمالي الصادرات الصناعية عالميًا إلى 24.7% في 2024 مقابل نحو 19.9% في 2015. وفي 2024 كانت الصين أكبر مصدر لهذه السلع بقيمة 856.8 مليار دولار، تلتها هونج كونج بـ 422.3 مليار دولار ثم ألمانيا بـ 246.6 مليار دولار. وتظهر تحليلات مشتركة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية وTrade Data Monitor أن أبرز صادرات الصين من هذه السلع تشمل الهواتف الخلوية بقيمة 135 مليار دولار وأجهزة معالجة البيانات بقيمة 102 مليار دولار والذاكرات والدارات المتكاملة بقيمة 69 مليار دولار ووحدات المعالجة والتحكم الدقيق بقيمة 57 مليار دولار. هذه الأرقام توضح ديناميكيات الأسواق العالمية وتركّز على مسارات النمو الواعدة لهذه الصناعات في البلدان الكبرى.

اتجاهات عالمية وآفاق الصناعة

تظهر الاتجاهات العالمية أن الصناعات عالية ومتوسطة التقنية تستمر في تسجيل أداء أقوى من باقي القطاعات الصناعية، مع تعافٍ ملحوظ في الربع الثاني من 2024 واستمرار النمو حتى 2025. وتظهر البيانات أن النمو في قطاع معدات النقل الأخرى وقسم أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات والمعدات الكهربائية يساهم في قوة القطاع العالي التقنية ككل، مع تسجيل زيادات سنوية معقولة في أطر زمنية قريبة. وتظل صناعة النقل بما فيها السفن والطائرات والمركبات الفضائية والمركبات العسكرية من المحركات الرئيسية للنمو في هذه المجموعة، مع أطر نمو ربعي تتجاوز 1% في السنوات الأخيرة. وتدل هذه الاتجاهات على تعزيز الاستثمارات في البحث والتطوير وتحديث القدرات الإنتاجية عالميًا، ما يفتح فرص تعاون وتجارة أوسع مع الأسواق الإقليمية والعالمية.

وتشير بيانات الولايات المتحدة وباقي الدول المتقدمة إلى أن الصين تبقى على رأس صادرات السلع عالية التكنولوجيا في 2024، تليها هونج كونج ثم ألمانيا، وتؤكد هذه المراكز قوة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية والتحالفات الصناعية. وتظهر أبرز صادرات الصين من هذه السلع تركيزاً على الهواتف الخلوية وأجهزة معالجة البيانات والذاكرات والدارات المتكاملة ووحدات المعالجة والتحكم الدقيق، وهو ما يعكس التوجه العام نحو منتجات عالية التقنية ذات قيمة مضافة مرتفعة. كما توضح هذه المعطيات أن الدول الرائدة في مجال الصناعات التكنولوجية تمتلك قدرات إنتاجية كبيرة، قوّتها في مزيج من الابتكار والتصنيع والتصدير، وهو ما يشكل نموذجاً يحتذى به للمسارات الوطنية في مصر نحو التصنيع الذكي.

شاركها.
اترك تعليقاً