تؤكد هذه الرؤية أن اختيار المسار المهني من أهم القرارات المصيرية التي يواجهها الإنسان، لما له من أثر مباشر في مستقبله واستقراره النفسي وشعوره بالرضا والنجاح.
وجهة نظر أهل الاختصاص في اختيار المهنة المناسبة
توضح فريال عبد الله حلاوي، دكتورة محاضرة ومستشارة في تقدير الذات، أن العالم المتسارع يجعل اختيار المسار المهني أكثر تعقيداً من أي وقت مضى؛ فالتطور التكنولوجي المتلاحق وتغير متطلبات سوق العمل وظهور مهن جديدة واختفاء أخرى عوامل تضع الشباب أمام حالة من الحيرة والقلق وتدفعهم إلى التساؤل عن كيفية اتخاذ قرار واعٍ في عالم يتغير باستمرار.
تغير سوق العمل وغموض مستقبل المهن
يشهد سوق العمل اليوم تحولات مستمرة، فبعض المهن مهددة بالاندثار وتظهر مهن جديدة فرضتها التطورات التقنية، وهو ما يثير تساؤلات وقلق الشباب حول مستقبلهم المهني.
فهم الذات أساس الاختيار المهني
أهمية الوعي الذاتي تعتبر العنصر الأهم في اختيار المسار المهني، وهو جانب مفقود لدى كثير من الشباب. قبل اتخاذ القرار ينبغي طرح أسئلة جوهرية مثل: ما قدراتي ومهاراتي وما ميولي واهتماماتي وهل يتناسب هذا المسار مع شخصيتي؟ غياب التقييم الذاتي يجعل بعض الأفراد يتخذون قرارات دون وعي كاف بذواتهم.
تأثير الأسرة والمجتمع في الاختيار المهني
في مجتمساتنا العربية غالباً ما يكون الاختيار المهني مفروضاً من الأهل أو المجتمع، وليس نابعاً من رغبة الفرد، ونتيجة ذلك أن الشخص قد يحصل على وظيفة جيدة من حيث المكانة أو الدخل لكنه يفتقد الشعور بالرضا والسعادة، لأن الحلم ليس حلمه بل حلم الآخرين.
التوجيه والاختيار المهني
أهمية دراسة سوق العمل تتطلب أن يسأل الشخص: هل هذا التخصص مطلوب في سوق العمل؟ هل هناك اكتظاظ في هذا المجال؟ ما فرص التوظيف المستقبلية؟ كما يواجه الخريجون أحياناً فائضاً كبيراً يجعلهم غير قادرين على العمل في تخصصهم، ما يؤدي إلى البطالة أو العمل في مجالات بعيدة عن التخصص.
اختيار المهنة من جميع الجوانب
يشهد سوق العمل تحولات مستمرة، فمثلاً التمريض مهنة مطلوبة عالمياً، لكن يجب النظر هل تتناسب مع قدرات الشخص وهل يمتلك مهارات التواصل والقدرة على العمل تحت الضغط، وهل السوق ما زال بحاجة إلى هذا العدد من الخريجين؟ كما أن المعايشة الميدانية ضرورية للتعرف إلى المهنة عن قرب عبر زيارة أماكن العمل ومراقبة طبيعة المهام والضغوط اليومية قبل اتخاذ القرار النهائي.
العامل المادي بين الأهمية والمبالغة
لا يمكن إنكار أهمية الدخل المادي، لكنه لا ينبغي أن يكون العامل الحاسم الوحيد؛ فاختيار مهنة فقط لأنها تدر مالاً أكثر، مع تجاهل التوافق مع الشخصية والقدرات، غالباً ما يؤدي إلى فقدان الرضا الوظيفي.
الخوف من الفشل وتأثيره في القرار المهني
الخوف من الفشل يدفع كثيرين إلى اختيار مسارات “آمنة” مفروضة من المجتمع بدلاً من السعي وراء ما يحبونه فعلاً. ويتم إعادة تعريف الفشل بأن لا وجود لفشل حقيقي في الحياة، بل تجارب ودروس نتعلم منها، وكل تجربة تضيف معرفة تساعدنا على إعادة التوجيه والتطوير.
المرونة والتقييم المستمر للمسار المهني
التغير سمة العصر، لذلك لا يجوز الجمود عند اختيار مسار واحد دون مراجعة؛ فالمراجعة المستمرة والممارسة البناءة للنقد الذاتي ضرورية لإعادة تقييم الخيارات المهنية ومواكبة التغيرات في سوق العمل وتجنب الانجراف وراء المهن الرائجة بشكل مؤقت.
نؤكد الحاجة إلى وعي مهني حقيقي يقوم على فهم الذات ومعرفة القدرات ومواءمة ذلك مع دراسة سوق العمل والمرونة والتقييم المستمر؛ فالمهنة الصحيحة توازن بين تحقيق الذات ومواكبة متطلبات العصر، بعيداً عن الضغوط الاجتماعية والمكاسب المادية المؤقتة.


