كان شهر رمضان زمان موسمًا للدفء الإنساني وتذكّرات تعيش في القلوب. كانت الشوارع والبيوت والجيران تحمل روحًا خاصة لا تُنسى، وترددات الراديو تعدّ لحظات الانتظار. عاش جيل الثمانينات تفاصيل تلك الأجواء التي تظل حاضرة في الذاكرة. هذه الذكريات تبقى راسخة لأنها ربطت الناس بعادات بسيطة وخالدة.
أجواء رمضان القديمة
كان من أبرز المشاهد ظهور صانع الكنافة في الشارع قبل حلول الشهر بأيام. كان يبني فرنًا من الطوب خصيصًا للرمضان فقط، ويجمع الناس حوله لمشاهدة العجينة وهي تُسكب وتتحول إلى خيوط ذهبية. كان الأطفال ينتظرون دورهم ويحملون الأطباق، وتملأ الفرحة المكان وتصفق الحناجر من البهجة.
كان تبادل الأطباق بين الجيران أحد أجمل مظاهر الترابط الاجتماعي. قبل أذان المغرب كان كل بيت يرسل طبقًا من الطعام، وتعود إليه العائلة في اليوم التالي بنوع مختلف من الأطعمة. كان الأطفال يقومون بتوصيل الأطباق بنشاط، ويشعرون بالفخر عندما يطرقون الأبواب ويرون وجوه الجيران.
تجهيز الكحك والسكويت العائلي
قبل العيد بأسابيع تتحول البيوت إلى ورش صغيرة لصناعة الكحك والسكويت. تتجمع الأمهات والجدات والبنات حول طاولة كبيرة مملوءة بالعجين والقوالب والسمسم والسكر البودرة. تسود الضحكات وتُروى الحكايات، ويتشارك الجميع في تشكيل قطع العجين حتى لو لم تكن متقنة.
فوازير رمضان والتجمع العائلي
كانت فوازير رمضان حدثًا يوميًا ينتظره الجميع بعد الإفطار. يتجمع أفراد الأسرة أمام التلفزيون لمحاولة حل الأسئلة وتدوين الإجابات في دفاتر صغيرة. كانت الجوائز البسيطة تعزز المنافسة وتضيف لمسة من الفرح إلى الليالي الرمضانية.
المذياع قبل المغرب
كان الراديو رفيق المطبخ وغرفة المعيشة قبل أذان المغرب. تضبط الأمهات المؤشر على محطة محددة لسماع الأدعية والبرامج الخفيفة، وتتابع الوقت حتى يحل أذان المغرب. كان صوت المذيع يضفي إحساسًا بالانتظار ويجعل لحظة الإفطار أكثر دفئًا.
زينة رمضان المصنوعة يدويًا
قديماً لم تكن الزينة تُشترى جاهزة بل يصنعها الأطفال بأيديهم من الورق الملون والخيط والمقص. كانوا يقصون الأشكال ويلصقونها لتتشكل سلاسل معلقة في الشرفات والغرف، وتغمرها الفرحة حين تُعرض لأول مرة. هذا العمل الجماعي يعزز روابط العائلة والأصدقاء ويؤكد فرحة قدوم الشهر الكريم.
المسحراتي والسحور الجماعي
كان المسحراتي يطوف الشوارع وهو يضرب طبلة وينادي أسماء الناس. كان الأطفال يستيقظون لسماع اسمهم فيسعدون بهذا التقدير من الحي. وجوده يضفي دفئًا وأمانًا ويجعل السحور لحظة جماعية تجمع الحي كله.
سفرة رمضان
تتجدد في كل بيت مائدة رمضان التي تتوسطها سفرة تجمع أفراد العائلة حول الأكل والحديث. تُشار أطباق متنوعة وتُوزع الأوقات بين تناول الأطعمة والتواصل مع الأقارب والجيران. تظل هذه السفرة رمزًا للترابط والإحساس بالمشاركة والتعاون قبل حلول العيد.


