أعلن قداسة البابا تواضروس الثاني في عظته الأسبوعية التي يعقدها الآن في المقر الباباوي بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية بدون حضور أن فترة الصوم تمثل زمنًا روحيًا استثنائيًا في حياة الإنسان. وصفها بأنها درجات سلم يرتقيها المؤمن عامًا بعد عام حتى يصل إلى الجمعة الكبيرة ويلامس سرّ الصليب ويختبر فرح القيامة. ركز في عظته على البعد الروحي للصوم الكبير، مركزًا على القلب باعتباره محور الصراع الحقيقي داخل الإنسان ومفتاح تقديس الحياة أو انحرافها.
الصوم رحلة صعود روحي
الصوم ليس مجرد انقطاع عن الطعام، بل مسيرة ارتقاء مستمرة. يجب أن يحافظ فيها الإنسان على مستوى روحي أعلى من العام السابق. أكّد أن الصوم يقود إلى التلامس مع آلام المسيح ثم التمتع بقيامته.
وأشار إلى أن الأحد الأول من الصوم يُعرف بـ«أحد الكنوز»، ويركز على سؤال جوهري: أين يوجد كنز الإنسان؟ وهل قلبه متعلق بالله أم بالأمور الأرضية؟ وهذا السؤال يضع القلب أمام خيار حاسم ويحدد مساره الروحي.
القلب محور القيادة
شدد قداسة البابا على أن اهتمام الكنيسة بالقلب نابع من كونه مركز القيادة في حياة الإنسان، مشبهاً إياه بنبع المياه الذي تتدفق منه كل الاتجاهات. قال إن كل فكرة تدخل القلب تتحول إلى رغبة، والرغبة إلى قرار، والقرار إلى فعل. وتكرار الفعل يصير عادة، ثم تتحول العادة إلى مسار كامل لحياة الإنسان، ومن هنا تتحدد هويته واتجاهه الروحي.
القلب ساحة المعركة
وبيّن البابا أن القلب هو موضع المعركة الحقيقية داخل الإنسان، سواء بين الغفران والانتقام، أو بين نقاوة الحياة والسقوط في الشهوات. واستشهد بشخصية يهوذا الإسخريوطي الذي عاش مع المسيح سنوات وسمع تعاليمه، لكنه سمح لفكرة صغيرة محبة المال أن تدخل قلبه فقادته إلى السقوط الروحي وخيانة المسيح. وأشار إلى أن السقوط كثيرًا ما يبدأ من أمور بسيطة ثم يتحول إلى عادة.
«اقطع الشر في بدايته»
نقل قداسة البابا عن القديس يوحنا ذهبي الفم قوله: «اقطع الشر في بدايته قبل أن يصير عادة»، موضحًا أن العادة حين تترسخ يصعب اقتلاعها. وأشار إلى أن الأفكار الخاطئة ليست وحدها ما يفسد القلب، بل كذلك تعلق الإنسان بالأمور الأرضية كالمال أو المديح أو النجاح الزمني، بل وحتى التعلق المفرط بالهاتف المحمول وخوف الفقدان. وأكد أن التعلق الزائد بما هو قابل للفقدان يورث الإنسان قلقًا دائمًا، لأنه يربط سلامه الداخلي بأمور غير ثابتة.
القلب الجائع إلى الله
استشهد البابا بعبارة القديس أغسطينوس بأن القلب الذي لا يجد كنزه في الله يظل جائعًا مهما امتلك. وأوضح أن الشبع الحقيقي لا يتحقق إلا بالارتباط بالله. وأضاف أن من أبرز ما يفسد القلب أيضًا عدم الغفران، مشيرًا إلى أن الصلاة الربانية تؤكد هذا المبدأ بقوله: كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا، لأن القلب الممتلئ مرارة لا يستطيع أن يحيا السلام الداخلي.
ثلاث آفات تفسد القلب
أشار إلى ثلاث آفات رئيسية تفسد القلب: الأفكار الخاطئة التي تتحول إلى عادات، التعلق بالكنوز الأرضية والزمنية، والمرارة وعدم الغفران. ودعا المؤمنين إلى استثمار زمن الصوم في تنقية القلب، ليصبح الصعود الروحي حقيقيًا ويقود إلى اختبار القيامة بفرح وسلام.


