مفهوم التريند في المنصات الرقمية
يُبين التحليل أن التريند أصبح أحد أبرز سمات العصر الرقمي مع تسارع التحول الرقمي وتزايد الاعتماد على الإنترنت ووسائل التواصل. يؤكد التطور في بنية الشبكات وانتشار الهواتف الذكية سهّلا انتقال الأفكار والمواضيع بسرعة غير مسبوقة. كما يبرز أن التريندات تؤثر في سلوك المستخدمين وتفضيلاتهم وقيمهم وتعيد تشكيل مسارات النقاش في المجتمع والاقتصاد والسياسة. وتظهر هذه الظاهرة كأداة تعكس اهتمامات المجتمع وتعيد ترتيب أولوياته وتفاعلاته ضمن بيئة رقمية متسارعة.
آليات ظهور الترند وانتشاره
تشير الدراسات إلى أن مصادر الموضوعات الرائجة متعددة، منها الأخبار الجارية والفعاليات الثقافية والمحتوى الشائع والحملات الإلكترونية. قد تظلّ هذه الموضوعات محصورة في مجتمع أو منصة بعينها، أو تمتد تأثيراتها عالمياً بحسب مدى انتشار المنصة وقوتها. وتعد المشاركة في التريندات استراتيجية فاعلة للمستخدمين والمؤثرين ومديري الحسابات لاستغلال الزخم وتوسيع الوصول. وتُعتبر الخوارزميات المعتمدة على مستوى التفاعل من المحركات الأساسية لانتشار المحتوى وتحويله إلى ترند خلال وقت قصير.
دور الخوارزميات والسلوك الاجتماعي
تعتمد المنصات بشكل متزايد على أنظمة ذكاء اصطناعي تحدد المحتوى الأكثر قدرة على جلب الاهتمام بناءً على سجل التفاعل السابق. وعندما يصل المحتوى إلى مستويات عالية من التفاعل، تعمل الخوارزميات على تعزيزه وتوسيع انتشاره بسرعة. تتكامل هذه الآليات مع العوامل النفسية مثل الخوف من تفويت الحدث وسهولة المحتوى وجاذبيته، ما يجعل التريند نتاج تفاعل تقني واجتماعي ونفسي متكامل. كما يؤثر السياق الاجتماعي للمشهد في مدى انتشار الموضوع وتداوله بشكل أسرع أو أبطأ وفق طبيعة القضايا المطروحة.
الإطار الرقمي العالمي والواقع المصري
بلغ عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم نحو 6.04 مليارات شخص في أكتوبر 2025، ما يعادل 73.2% من سكان الأرض. كما وصل عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 5.66 مليارات شخص، أي نحو 68.7% من السكان. تعكس هذه الأرقام دور المنصات في تشكيل المشهد الرقمي العالمي وتوجيه الاهتمام والتوجهات العامة. وباتت التريندات تنتشر خلال ساعات أو أيام قليلة، مما يزيد من تأثيرها في سلوك المستهلكين ومواقف الرأي العام بشكل أسرع من الماضي.
قوى المنصات الكبرى والسرعة في الانتشار
لا تزال منصة فيس بوك أكبر منصة على مستوى العالم، إذ يبلغ عدد مستخدميها النشطين شهريًا أكثر من ثلاثة مليارات، وتضم مجموعة Meta أربعة من أكبر المنصات الاجتماعية: فيس بوك، وواتس آب، ماسنجر، وإنستجرام. وفي إطار أوسع، كل دقيقة يشاهد فيها نحو 140 مليون مقطع فيديو قصير، وتُرسل 3.3 ملايين صورة عبر سناب شات، ويرفع 16 ألف مقطع فيديو على تيك توك. كما أن المنصات نفسها تتحول أحياناً إلى الترند نفسه بسبب الشعبية والانتشار الواسع الذي تحققه.
دور الذكاء الاصطناعي في توجيه المحتوى
تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد المحتوى الذي يثير اهتمام المستخدمين بناءً على التفاعل السابق مثل الإعجابات والمشاركات ومدة المشاهدة. وعندما يحقق المحتوى مستويات عالية من التفاعل، تعززه الخوارزميات وتدفعه نحو انتشار أوسع. وتتضافر هذه الآليات مع الدوافع النفسية وتدفع المستخدمين إلى المشاركة السريعة، ما يجعل التريند نتاج تفاعل تقني واجتماعي ونفسي متكامل. وتؤثر اللحظة السياقية للمشهد وارتباطها بقضايا الرأي العام في مدى تداوله بين الأفراد بشكل أقوى وأسرع.
الآثار الاجتماعية والثقافية
يبرز التريند كأداة ثقافية تتيح نشر الوعي بقضايا عامة وإنسانية بسرعة وتوسيع المشاركة المجتمعية، مع إمكانية تعزيز التفاعل والتواصل بين الثقافات. وفي المقابل، قد يؤدي التدفق السريع للمعلومات إلى انتشار محتوى مضلل وتزايد السطحية في المشاركات وتعميم الجدل والانقسام إذا لم يتحقق النقد والتمحيص. وتبقى قيمة التأثير رهناً بوعي المستخدمين ونوعية المحتوى المتداول ومدى تحقق المعلومات قبل المشاركة، فالتوازن يحد من أثر التسلّق والتسرّع.
الطابع المزدوج للترند
تُعد الترندات سلاحاً ذو حدين؛ فإلى جانب تمكين أصوات مهمشة وترويج حركات عالمية مثل MeToo وBlack Lives Matter ونشر الوعي حول قضايا الحقوق والمساواة، قد تتحول القضايا الجوهرية إلى ظواهر مؤقتة تفقد عمقها مع تبدّل الاهتمام. كما أن حرية التعبير التي تتيحها المنصات قد تسهم في انتشار معلومات مضللة وتسيّب التدقيق في صحة الأخبار. وبناءً على ذلك، يتعيّن تعزيز الوعي الرقمي والتمحيص قبل المشاركة ومسؤولية المستخدم في ضبط وحماية الصحة النفسية والقيم الإيجابية.
واقع التريندات في مصر
أوضح التحليل أن توسع استخدام الإنترنت في مصر ارتبط بتطور البنية التحتية وخدمات الاتصال، مع إطلاق تقنيات الجيل الخامس التي حسّنت سرعة الشبكات. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة انتشار الهاتف المحمول بلغت 109.58% في أكتوبر 2025، مع نحو 91.78 مليون اشتراك إنترنت محمول وبنمو سنوي 9.68%، كما بلغ عدد اشتراكات الإنترنت الثابت نحو 12.5 مليون وبنمو سنوي 9.12%. وبلغت نسبة مستخدمي الإنترنت عبر المحمول 75.59% من إجمالي مشتركي الهاتف المحمول. وتزايد عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في مطلع 2023 إلى أكثر من 46 مليونًا، بعد أن كان 16.6 مليون قبل تسع سنوات، وهو ما يجعل التريندات جزءاً لا يتجزأ من الحياة الرقمية اليومية وتؤثر في توجهات الشباب وقيمهم.
ظواهر مصرية وتداعياتها
أظهرت أمثلة محلية أن افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر 2025 واستخدام الذكاء الاصطناعي في عرض الصور الفرعونية كانا من أبرز الترندات الثقافية التي أثّرت في اهتمامات الشباب وفخرهم بالهوية الوطنية، فيما ظهرت ترندات أخرى أسهمت في إنتاج محتوى سطحي أو نشر شائعات وعنف. ومع تزايد الترندات، ظهرت جهود مؤسسية واجتهادات فردية لتلافي آثارها السلبية على الوعي العام من خلال حزمات توعوية ومبادرات حماية للطفل والحد من الشائعات. حيث أطلق الأزهر حملة توعوية بعنوان “فتبينوا” وتعاونت وزارة الاتصالات مع اليونيسف والمجلس القومي للطفولة والأمومة لحملة “بأمان” لحماية الأطفال عبر الإنترنت، إضافة إلى إعداد وزارة التعليم العالي محتوى علمياً حول “التربية الإعلامية الرقمية” كجزء من مقررات جامعية.
خلاصة وتوجيهات عامة
خلال التطور المستمر للتريندات، تبقى لها فوائد عدة مثل رفع الوعي وتسهيل التفاعل بين الثقافات، لكنها تحمل تحديات مرتبطة بتسطيح القضايا والانتشار السريع للمعلومات المغلوطة. لذلك يشترط الوعي الرقمي والتحقق من المعلومات قبل المشاركة ومسؤولية المستخدم في موازنة التفاعل مع المحتوى الرائج بما يحفظ الصحة النفسية ويعزز القيم الإيجابية. ويمكن للترندات أن تتحول من موضة عابرة إلى أداة تثقيف وإلهام ونقاش بنّاء إذا توفرت الضوابط والوعي الجمعي والمسؤولية المجتمعية.


