ضبط الإيقاع اليومي في رمضان
يتغير الصيام بشكل ملحوظ في الإيقاع الحيوي للجسم، فيختلف النوم وتختلف مستويات الطاقة وتقل ساعات تناول الطعام والشراب، وهو ما يؤثر بالتأكيد في الحالة الذهنية. لذلك ينصح الخبراء بإعادة ترتيب أوقات العمل الذهني وفق توقيت المهمة وإدارة الطاقة، فاختيار الوقت المناسب يمكن أن يحافظ على الإنتاجية وربما يعززها. وفي هذا السياق تلتقي مريم بواطنه، اختصاصية تغذية ومدربة في التشافي العاطفي والأسري، للحديث عن أوقات العمل الذهني الملائمة خلال الصيام.
الأوقات المناسبة للعمل الذهني
بعد السحور مباشرة: التركيز العميق
تعد الفترة التي تلي السحور مباشرة، خصوصاً لمن حصلوا على نوم كافٍ، الأكثر قابلية للعمل الذهني العميق، ويرجع السبب إلى استقرار مستوى الجلوكوز وعدم استنفاد مخازن الجليكوجين. وتشير إلى أن وجبات السحور المرتكزة على البروتين والدهون الصحية، مثل البيض واللبن والمكسرات والأفوكادو، توفر طاقة بطيئة وثابتة الامتصاص وتقلل الهبوط المفاجئ في التركيز. وتشمل أنسب المهام هنا الكتابة العميقة والدراسة التحليلية والتخطيط الاستراتيجي وأعمال تتطلب إبداعاً ذهنياً، وتستمر عادة بين ساعتين إلى ثلاث ساعات.
من بعد الفجر حتى منتصف الصباح: استقرار التركيز
تمتد فترة الأداء الجيد حتى حوالي العاشرة أو الحادية عشرة صباحاً، خلال هذه الساعات لا يكون الجفاف قد وصل إلى مستوى مؤثر بعد، ولا يبدأ انخفاض الجلوكوز تأثيره الحقيقي، كما تظل درجة اليقظة عالية بفضل الإيقاع الجسم. وتؤكد الدراسات أن فقدان 1–2% من الماء يمكن أن يؤثر في الانتباه وسرعة المعالجة، لكن هذا غالباً ما يحدث لاحقاً في النهار. وأنسب مهام هذه الفترة هي الاجتماعات المهمة وإتمام التقارير والتفكير التحليلي المتوسط، وهي مهام تتطلب دقة ذهنية جيدة لكنها ليست مرهقة.
ما قبل الإفطار: نقطة الهبوط الطبيعية
في الساعات الأخيرة من الصيام يلاحظ بطء عقلي وانخفاض في الطاقة لأسباب تشمل انخفاض الجلوكوز وبداية الجفاف ونقص الكافيين لدى المعتادين عليه، إضافة إلى انخفاض القدرة على ضبط الانتباه نتيجة الإرهاق. وهذا يجعل هذه الفترة أقل مناسبة للمهام المعرفية الثقيلة، ويفضل تخصيصها لأعمال خفيفة، وممارسة رياضة المشي منخفضة إلى متوسطة الشدة. وتناسب هذه الفترة الأعمال الروتينية والمراجعة البسيطة وترتيب الملفات أو البريد الإلكتروني والمهام الإدارية غير الإبداعية.
بعد الإفطار: عودة تدريجية للنشاط
يشعر كثيرون بأنهم سيعودون مباشرة إلى نشاطهم الذهني بعد الإفطار، لكن الجسم يوجه جزءاً من تدفق الدم نحو الجهاز الهضمي مما يسبب خمولاً مؤقتاً يدوم بين 45 و90 دقيقة. وبعد استقرار مستويات الجلوكوز وترطيب الجسم، يعود النشاط تدريجياً. وتفيد أبحاث الصيام المتقطع بارتفاع محتمل في عامل التغذية العصبية المشتقة من الدماغ (BDNF)، ما يدعم المرونة العصبية وصفاء الذهن. وتناسب هذه الفترة المذاكرة المتوسطة والتخطيط والتعلم الهادئ والقراءة.
علاقة النوم بالعمل الذهني
هناك علاقة وثيقة بين النشاط الذهني والنوم، فلا يمكن الحديث عن الأداء الذهني دون الإشارة إلى النوم. فالحرمان الجزئي من النوم يضعف الذاكرة قصيرة المدى ويقلل الانتباه ويبطئ المعالجة الذهنية. في رمضان يتجزأ النوم، لكن الحفاظ على مجموع سبع ساعات ليلاً مع قيلولة يساعد في استقرار الأداء العقلي.


