شهد المشهد اللغوي تحولات جذرية في الآونة الأخيرة نتيجة تزايد موجات الهجرة التي مزجت الثقافات ببعضها وتطور التكنولوجيا المتسارع الذي قرب المسافات وسهل التواصل العابر للحدود واللغات.
أُعلن اليوم العالمي للغة الأم مبادرة تاريخية انطلقت من بنغلاديش وتبنّاها المؤتمر العام لليونسكو عام 1999، ليصبح منذ عام 2000 مناسبة احتفالية عالمية تعزز الهوية اللغوية لكل شعب.
تُولي اليونسكو أهمية قصوى للتنوع الثقافي واللغوي كركيزة أساسية لبناء مجتمعات مستقرة، وتدرج صون الاختلافات اللسانية ضمن مهامها الجوهرية لتعزيز قيم التسامح والاحترام المتبادل بين الشعوب، فيُطلق اليوم العالمي للغة الأم كإطار لإحياء اللغات وتثمينها.
تمثل اللغة جسرًا حيويًا يتجاوز مجرد التواصل، فهي الرابط القوي لهوية الشباب وأداتهم الفعالة للمشاركة المجتمعية الواعية، وهو ما يدفع الشباب إلى قيادة حراك عالمي لإحياء اللغات المهددة عبر توظيف التكنولوجيا والمنصات الرقمية لتجسير الفجوات وتحويل التعدد اللغوي إلى قيمة مضافة في الفضاء الرقمي.
برزت حركة عالمية يقودها الشباب لإحياء اللغات المهددة عبر استخدام التكنولوجيا وتوفير مساحات تواصل وتبادل خبرات مع خبراء دوليين، وتبنّي مبادرات تعليمية متعددة اللغات في مدارسهم ومجتمعاتهم بهدف تعزيز التنوع اللغوي وتكافؤ الفرص.
يُعاني نحو أربعين في المئة من المتعلمين حول العالم من حرمانهم التعليم بلغتهم الأم التي يجيدونها، وتزداد هذه الفجوة خصوصاً لدى شباب الشعوب الأصلية والمهاجرين والأقليات، ما يعيق إنتاجية التعليم وتكافؤ الفرص التعليمية.
تدعم الثورة الرقمية دمج لغات متعددة في بيئات التعلم وتُقلّل الكلفة وتوفر موارد رقمية، غير أن العديد من المتعلمين يواجهون عوائق تحول دون الحصول على تعليم بجودة في لغاتهم الأولية، خاصةً في المجتمعات المهمشة أو المهاجرة.
تساهم الهجرة الداخلية والدولية في تشكيل فصول أكثر تنوعاً لغويًا، فتفتح باباً لفرص التواصل والإبداع لكنها تفرض تحديات للإدماج وتوفير بيئات تعلم وتواصل عادلة.
التنوع اللغوي كركيزة لبناء مجتمعات مستقرة
يزداد الوعي بضرورة حفظ لغات المجتمع كخزان معرفي يحفظ التراث ويوصل المعرفة بطرق مستدامة، وتؤكد اليونسكو أن التنوع اللغوي يظل ركيزة أساسية للسلام والكرامة والشمول، حتى لا يغيب صوت من تاريخنا الإنساني.
لغات متعددة، مستقبل واحد: صوت الشباب في التعليم متعدد اللغات
تحتفل اليونسكو هذا العام 2026 بشعار أصوات الشباب حول التعليم متعدد اللغات الذي يبرز أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل بل هو عنصر أساسي في الهوية والتعليم والرفاه والمشاركة المجتمعية، ويشدد على أن أنظمة التعليم يجب أن تعترف بلغة كل متعلم وتدعم نتائجه بشكل يعزز الشمولية ويحقق نتائج تعليمية أفضل.
أكّد المدير العام لليونسكو أن التنوع اللغوي ركيزة للسلام والكرامة والاندماج، وأن نقل اللغة إلى صدارة الحلول التعليمية يضع الشباب في صميم التنمية ويدفع المجتمع نحو مستقبل يحفظ تعدد صوته دون تفريط في أي صوت من تاريخنا الإنساني.
شهد الاحتفال افتراضي بعنوان الحرم الجامعي تنظيمه في 13 فبراير، حيث دُعي الطلاب من مختلف البلاد الذين يجيدون الإنجليزية إلى المشاركة عبر الإنترنت وتبادل الخبرات مع خبراء دوليين وأقرانهم، وتوفر الجلسة مساحة لعرض تجاربهم وتحديد إجراءات عملية لتعزيز التنوع اللغوي في مدارسهم ومجتمعاتهم.
بيّنت الجلسة أن التعليم متعدد اللغات يعزز الاندماج والثقة بالنفس وتحسين النتائج التعليمية، وأنه من الممكن تطبيق هذه الرؤى من خلال وضع سياسات تعليم تلائم لغة كل متعلم وتمنح التقدير المناسب لمهاراته اللغوية، مع توفير فرص تواصل مباشرة مع خبراء وشباب من مناطق مختلفة، من أجل إدماج لغات متعددة في المناهج والأنشطة المدرسية.


