تصمم مركبة كريساليس بطول نحو 58 كيلومترًا وتدور ببطء في الفضاء السحيق محملةً على متنها آلاف البشر الذين ودعوا الأرض إلى الأبد.

تستغرق الرحلة نحو 400 عام، تقضي فيها سنة في التسارع و400 سنة في الإبحار الحر وسنة في التباطؤ عند الوصول، وتعيش على متنها نحو 2400 إنسان عبر 16 جيلًا، كثيرون لن يروا الأرض ولن يشهدوا العالم الذي سيصل إليه أحفادهم.

تُعَد هذه المهمة أكثر من مركبة، بل نظاماً بيئيًا واجتماعيًا مكتفيًا ذاتيًا.

الجاذبية الاصطناعية

تفرض الدراسات أن البشر يصابون بالدوار إذا تجاوزت سرعة دوران الموائل الفضائية دورتين في الدقيقة.

يتطلب توليد جاذبية تقارب 0.9 من الأرض عند المعدل البطيء أن يكون نصف قطر الهيكل هائلًا.

يصمم كريساليس بطول 58 كيلومترًا مكوّنًا من أسطوانات متداخلة تدور في اتجاهين متعاكسين، فيقلل هذا الدوران العكسي الإجهادات الهيكلية مع مرور الزمن.

تُوضع وحدة السكن الرئيسية في مقدمة مدببة لتقليل خطر الاصطدام بالحطام بين النجوم أثناء مراحل التسارع والتباطؤ.

يُعزى الطول إلى قوانين الفيزياء كونه نتيجة مباشرة لها.

تفتقر الحاضر إلى منشأة قادرة على بناء هيكل بهذا الحجم في المدار، كما يفتقر نظام الإطلاق إلى رفع مكوّناته من الأرض، لذا يفترض التصميم تجميع السفينة في إحدى نقاط لاغرانج.

يعتمد المشروع على مفاعل اندماج نووي مباشر يعمل بخليط من الهيليوم-3 والديوتيريوم لتوفير الدفع والطاقة.

تظل الحقيقة أن البشرية حتى أوائل عام 2026 لم تشغّل مفاعل اندماج عمليًا لتوليد الكهرباء على الأرض، فضلاً عن استخدامه لدفع مركبة فضائية.

تتطلب عمليات الاندماج في الفضاء أنظمة تبريد هائلة تعمل في الفراغ، ودروعًا إشعاعية تتحمل قرونا من التعرض للأشعة الكونية، وإمكانية صيانة مفاعل خطير في بيئة معزولة تمامًا.

تبقى هذه العناصر فجوات بحثية مفتوحة وليست تقنيات جاهزة.

نظام بيئي مغلق لقرون

يتعقد الأمر أكثر حين يتعلق الأمر بالحياة اليومية.

يجب أن تعيد كريساليس تدوير كل جزيء ماء وهواء، وأن تنتج غذاءها داخليًا عبر وحدات زراعية متكاملة.

وصلت تجارب محطة الفضاء الدولية إلى إعادة تدوير المياه بنسبة تقارب 98%، لكنها تعتمد على دعم وإمداد مستمرين من الأرض.

تبيّن من التجارب الأرضية مثل بيوسفير 2 مدى هشاشة الأنظمة البيئية المغلقة.

يُفترض التصميم حلقات بيولوجية متكاملة تعمل باستقرار تام لمدة 400 عام دون أي إعادة تزويد خارجي.

يبقى هذا افتراضًا لم تختبره البشرية بعد، ويظل تحديًا علميًا ضخمًا.

مجتمع يعيش ويموت في العزلة

يقتضي التحدي الحفاظ على التماسك الاجتماعي عبر 16 جيلًا، وليس البقاء الجسدي وحده.

يقترح المشروع اختيار الطاقم بناءً على معايير نفسية مستوحاة من تجارب العزلة في محطات القطب الجنوبي.

ويقترح النظام تربية مجتمعيّة للأطفال بدلًا من التركيز على الأسرة الصغيرة، وإدارة عدد السكان عبر المباعدة الطوعية بين الولادات.

تعتمد الحوكمة على نماذج صنع قرار مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومعها أنظمة لحفظ المعرفة التقنية والثقافية كي لا تضيع الخبرات عبر الأجيال.

تبقى البيانات التجريبية حول مجتمع معزول بالكامل لمئات السنين غير متوفرة؛ فطاقم الغواصات يتناوب، وتقتصر عزلة محطات القطب الجنوبي على شهور، وتظل أطول المهام الفضائية تقاس بالشهور أو السنوات القليلة.

وثائق وأثرها

توضح وثائق كريساليس أنها ليست مجرد مخطط لبناء سفينة، بل قائمة مفصلة بكل ما لا نعرفه بعد.

فتظهر أن الطريق إلى النجوم لا تعوقه الرغبة، بل توجد فجوات علمية وهندسية واجتماعية لم تُسَد بعد.

شاركها.
اترك تعليقاً