تشهد البشرية تزايد حجم البيانات وتواجه صعوبة في حفظها بشكل مستدام ضمن مراكز بيانات تستهلك طاقة هائلة وتستخدم تقنيات تخزين قديمة.
يبرز المستقبل حلاً ثورياً عبر تخزين البيانات في الكريستال والحمض النووي لضمان بقاء المعلومات لملايين السنين، وهو ما ينهي عصر الاعتماد على الانبعاثات ويحول إرثنا إلى ذاكرة خالدة.
بدأت الحكاية بظاهرة فيزيائية غامضة اكتشفها الباحث بيتر كازانسكي عندما نجح العلماء في استخدام ليزر الفيمتو ثانية لطباعة أنماط معقدة داخل زجاج السيليكا.
تلك الأنماط هي هياكل نانوية أصغر من طول موجة الضوء وتسمح بتشفير البيانات في خمسة أبعاد، وهي إحداثيات (x، y، z) إضافة إلى اتجاه وقوة الضوء.
والنتيجة قرص زجاجي صغير يمكنه تخزين نحو 360 تيرابايت من البيانات وتدوم صلاحيته للأبد تقريباً.
الأهم أن هذه التقنية لا تحتاج طاقة للحفظ وهي مقاومة للحرارة والظروف القاسية، ما يجعلها حلاً رائعاً لبيانات العالم الباردة التي تشكل نحو 80 بالمئة من البيانات المسجلة.
تزداد الحاجة لهذه الحلول مع توقع البشرية إنتاج 394 تريليون زيتابايت سنوياً بحلول عام 2028.
حالياً تستهلك مراكز البيانات نحو 1.5% من كهرباء العالم، ومتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول 2030 ليؤدي إلى انبعاثات تعادل 40% من إجمالي الانبعاثات الأمريكية.
مع تفجر عصر الذكاء الاصطناعي أصبح البحث عن بدائل للأقراص الصلبة والأشرطة المغناطيسية ضرورة أمنية لأن هذه الوسائط تتلف مع مرور الوقت.
تخزين في الحمض النووي ودمج المستقبل البعيد
على الجانب الآخر يبرز الحمض النووي كأكثر وسيط تخزين كثافة في الكون حيث يمكن لغرام واحد منه تخزين نحو 215 بيتابايت من البيانات بالحدود النظرية، وتُحول الأصفار والواحدات إلى القواعد الأربعة A وT وC وG.
تتميز هذه التقنية بأن ملعقة صغيرة منها تكفي لتخزين كل بيانات العالم، كما أنها لا تحتاج لتبريد، وتواجه أيضاً دعماً من شركات كبرى مثل مايكروسوفت التي تؤكد أن البشر سيظلون قادرين على قراءة الحمض النووي بفضل تقدم الطب، بينما تختفي أجهزة قراءة الأقراص مع مرور الزمن.
رغم أن تكلفة تخليق الحمض النووي لا تزال مرتفعة وتواجه الكريستال عقبات في التوافق مع البنية التحتية، إلا أن شركات مثل إس فوتونيكس بدأت جولات تمويل ضخمة لتسويق هذه الابتكارات.
نقف عند أعتاب عصر يتم فيه تقدير جودة التكنولوجيا ليس فقط بمدى سرعتها بل بقدر ما تبقى من معلومات طويلة الأمد بعد رحيلنا، محولاً ذاكرة البشر من نبضات إلكترونية عابرة إلى ذاكرة مادية خالدة.


