الشبح الرقمي في الاقتصاد والمجتمع

تطرح فكرة “الشبح في الآلة” سؤالاً وجودياً عميقاً عن ما إذا كان الوعي مجرد إنتاج بيولوجي من خلايا الدماغ أم أن هناك شبحاً غير مرئي يحرك أجسادنا كآلات.

تحوّل النقاش اليوم من أروقة الجامعات إلى صلب النظام الرأسمالي العالمي، حيث يفرض الذكاء الاصطناعي وجوده كـ”شبح” جديد يحكم تقاطعات الاقتصاد ويعيد تعريف مفهوم “الإنسان المتفوق” الذي قد يزيح الإنسان العادي من معادلة الإنتاج والربح.

يحذر جيمس فان جيلين، المحلل المالي المعروف بقوة توقعاته ومؤسس شركة سيتريني ريسيرتش، من دخول هذا الشبح إلى ماكينة الاقتصاد.

يرى أن العالم أمام ما يسميه “أزمة الذكاء العالمية” وأننا لسنا مستعدين للسرعة الدرامية للتغيير، فهناك مفهوم “الناتج المحلي الإجمالي الشبحي” Ghost GDP الذي يزيد من الثروة المصوّرة رقمياً دون أن يتدفق الدخل إلى المجتمع، لأن الآلات لا تستهلك ولا تنفق دولاراً.

تُظهر مذكرة تحليلية صادمة من المستقبل (يونيو 2028) صورة اقتصادية مظلمة حيث تتبنى الشركات الكبرى الذكاء الاصطناعي لرفع الأرباح وتقليل النفقات فيبدأ مسار التسريحات الجماعية لذوي الياقات البيضاء كالمهندسين والمحاسبين والمحامين والإداريين، وهو ما قد يؤدي إلى “إبادة الرواتب”.

يُذكر أن هؤلاء يشكلون نحو نصف القوى العاملة الأمريكية ويدفعون نحو 75% من الإنفاق الاستهلاكي، فترتفع البطالة وتؤثر على الطلب على السلع والخدمات وتتصاعد دوامة خفض الإنفاق.

يرى فان جيلين أن الاحتكاك البشري الذي تضيفه البشر إلى الاقتصاد سيضعف، مع زوال الوسطاء الذين يقومون بتسعير وتنسيق الخدمات، فإن شركات مثل Mastercard وتطبيقات التوصيل ستفقد مبرر وجودها كوسطاء وتقلص الحصانة الاقتصادية المرتبطة بالناس.

يؤدي ذلك إلى أزمة نظامية في سوق الرهن العقاري والائتمان بسبب تآكل الدخل، حيث يفقد جزء من الطبقة الوسطى قدراتها على السداد بسبب انخفاض الدخل البنيوي.

مع ذلك يظهر أمل من جهة أخرى في رؤية تانماي غوبال الذي يقول إن نحو 70% من المهام ستبقى خارج نطاق الأتمتة الكلية لأنها تحتاج إلى “سياق بشري” لا تستطيع الآلات تدريبه بسرعة كافية.

يتحول دور الإنسان من مجرد منفذ إلى جامع سياق، مع توقع أن زيادة الإنتاجية ستخفض الأسعار وتوفر رفاهية أكثر للجميع، كما حدث عندما اخترعت تقنيات مثل الطعام المجمد التي بدا أنها أزاحت وظائف زراعية لكنها خلقت مجالات اقتصادية جديدة.

تشير التوقعات إلى أن AI قد يقضي على 92 مليون وظيفة بحلول 2030، لكنه قد يخلق في المقابل 170 مليون وظيفة جديدة في اقتصاد بلا احتكاك.

تدور المعركة القادمة حول إعادة تعريف “القيمة البشرية” في سوق لا يعترف بالجهد التقليدي، فهل نتمكن من حل اللغز الذي بنيناه أم يلتهم الشبح الرقمي آخر قلاع الاستقرار المالي للبشر؟

شاركها.
اترك تعليقاً