تروي المصادر أن الكسوة السوداء للكعبة تعد من أقدس وأعظم الصناعات في التاريخ الإسلامي، وأن مصر وبالأخص مدينة أخميم في سوهاج لعبت دوراً بطولياً في مسيرتها عبر العصور. يندمج فيها الفن بالعقيدة والحرفة بالروح، وتُبرز هذه القصة أن أخميم كانت منطلقاً لصناعة الكسوة التي حُيكَت من خيوط الحرير وتُطرز بعبارات التوحيد. ظلّت هذه الكسوة تُصنع في مصر لقرون طويلة، وتُرسل في موكب رسمي تعرف محمله بالمحمل قبل أن تتجه إلى الأراضي المقدسة.

بدايات الحكاية

توضح المصادر أن جذور الكسوة تمتد إلى ما بعد فتح مكة، فقد ارتفع خطر الحريق أثناء تبخيرها، فكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يكسوها بحبرات يمانية وقطابا مصرية. يشير التاريخ إلى أن العناية بالكسوة استمرت عبر العصور والدول، مع نصيب واضح لمصر في صناعتها لقرون طويلة. من هذه النقلة بقيت مصر محوراً رئيسياً في عملية الإعداد للكسوة ثم إرسالها إلى مكة عبر موكب رسمي يعرف بالمحمل.

المحمل ورحلة السفر

لم تكن الكسوة مجرد قطعة تتسلمها جهة، بل كانت تسافر في موكب رسمي يحملها المحمل وسط احتفالات تقام في مصر. تقود الخيول والرايات هذا المشهد الذي يعكس مكانة مصر في خدمة الحرمين. بقيت هذه العادة قائمة حتى منتصف القرن العشرين، حين تحولت المسؤولية إلى جهة أخرى، وترك المحمل جزءاً من الذاكرة الشعبية كرمز للفخر الديني والوطن المصري.

عبارات من نور على ثوب سوداء

توشح الكسوة بنقوش محبوكة على أسلوب الجاكارد، وتحمل عبارات إيمانية تتكرر على طول القماش. من بين هذه العبارات: لا إله إلا الله محمد رسول الله، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، يا ديان يا منان. ليست هذه العبارات زخارف فحسب، بل هي رسالة روحية توصل جوهر العقيدة إلى ملايين المسلمين بالكلمات القليلة. تعزز هذه العبارات طابع الكسوة كوثيقة روحية تبرز المسار التاريخي لصناعة مقدّسة خرجت من الصعيد إلى أطهر بقاع الأرض.

شاهد التاريخ في متحف سوهاج

يقف متحف سوهاج القومي شاهداً على هذه الرحلة العريقة، حيث يحوي الركن الإسلامي جزءاً من الكسوة يُقال إنه أول ستار لها. يعرض المتحف أيضاً هودجا وستائر من موكب المحمل في العصر المملوكي، إضافة إلى مصحف محمول مكتوب بالخط المغربي يعود إلى القرن 12 هـ / 18 م. يروى المعروض كيف كان أهل مصر يجهزون الرحلة ويعيدون في كل عام قراءة مناسك الحج أثناء النقل.

من حفظ التاريخ إلى الحاضر

تظل الكسوة التي صنعت من خيوط الحرير السوداء جزءاً من سجل الأمة الذي يبرز عطاءها في خدمة الحرمين الشريفين. بعد انتقال مهمة الكسوة من مصر إلى المملكة العربية السعودية، بقيت هذه القطعة رمزاً حضارياً وروحياً يذكر دائماً دور الصعيد في تاريخ الحرمين. وهكذا، لا تكون الكسوة مجرد نسيج بل تُختصر في عمقها قصة أمة أخلصت في خدمة بيت الله، وتبقى خيوطها شاهدة على احتضان مصر لهذا العطاء عبر العصور.

شاركها.
اترك تعليقاً