شهدت أسواق النفط والغاز اختباراً حاداً لم تشهده سنوات مع قرب احتمال تعطيل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الشريان الذي يمر منه نحو خُمس إنتاج النفط العالمي. وتعرضت ناقلات وعمليات حيوية لهجمات تسببت في إغلاق منشآت كبرى، من بينها رأس لفان القطرية، الذي يعد أكبر مجمع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، إضافة إلى أكبر مصفاة نفط في السعودية. ونظراً لأن رأس لفان يمثل نحو خُمس إمدادات الغاز المسال العالمية، فإن توقفه يشكل صدمة فورية لسوق يعاني أصلاً من محدودية التخزين مقارنة بالنفط. ورغم ذلك، لم تتجاوز أسعار خام برنت أعلى مستوياتها منذ يونيو، في حين بدا ارتفاع الغاز الأوروبي محدوداً نسبياً مقارنة بالارتفاعات القياسية خلال أزمات الطاقة السابقة.

الممر الاستراتيجي وتقييم السوق

لطالما اعتُبر مضيق هرمز نقطة الاختناق الأشهر في تجارة الطاقة العالمية، فإلى جانبه يمر عبره جزء كبير من المنتجات المكررة والغاز المسال. ورغم أن حصته في تجارة النفط العالمية تراجعت مقارنة بسبعينات القرن الماضي، فإن أهميته الاستراتيجية لا تزال حاسمة. هذه الأهمية عززت اعتقاد الأسواق بأن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يسمحوا بإغلاقه لأيام طويلة، وهو ما ترسخ خلال أكثر من عامين من التوترات في الشرق الأوسط لم تؤدِ إلى تعطيل فعلي في التدفقات.

رهان سياسي على خريطة الطاقة

في الخلفية، يعزز الرهان الأميركي بأن التحولات في خريطة الطاقة العالمية — وعلى رأسها زيادة الإنتاج الأميركي وتنوع مصادر الإمداد — تمنحه هامشاً عسكرياً أوسع في الشرق الأوسط. وتتبنى الأسواق الرهان نفسه، إذ تسعّر الصراع كأنه محدود زمنياً. لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ فكلما طال أمد المواجهة ارتفعت احتمالات حدوث خلل هيكلي في الإمدادات، لا سيما في سوق الغاز الطبيعي المسال الأشد هشاشة من حيث التخزين والمرونة اللوجستية.

التداعيات اللوجستية وأسعار السوق

على الأرض، بدا الخلل البحري أوضح مع إرسال تحذيرات أميركية للسفن بالابتعاد عن مناطق العمليات في الخليج وتراجع سريع للعقود التأمينية وتتبّع مسارات الناقلات عبر الأقمار الصناعية. أبلغت تقارير عن اقتراب بعض السفن من المضيق ثم الانحراف لتجنّب الخطر، كما أُبلغ عن أضرار أربع سفن تجارية على الأقل. يهدد هذا الاضطراب سلسلة الإمداد ويزيد تكاليف الشحن والتأمين وقد يدفع الأسعار إلى الارتفاع تدريجاً. يرى محللون أن وفرة المعروض في النفط وتوقّعات وجود فائض في الغاز خفّفا من حساسية الأسواق، لكن المخاطر تبقى عالية في حال استمر التصعيد.

الخلاصة والتوازن القائم

في النهاية، لا يعكس هدوء الأسعار غياب الخطر بل ثقة مشروطة بأن خطوط الإمداد الحيوية ستبقى مفتوحة، حتى لو استمر الاضطراب لعدة أيام. وتظل احتمالية حدوث خلل هيكلي في الإمدادات قائمة إذا طال أمد المواجهة وتجاوزت حدود الاحتواء السريع. وتبقى الأسواق في وضع الترقب حيال أي تطور قد يغير المعادلة ويعيد تحميل الأسعار العالمية معدل أعلى.

شاركها.
اترك تعليقاً