تنطلق المناسبات الاجتماعية كفرصة للفرح واللمة العائلية، إلا أن التجارب مع الشباب قد تتحول إلى تجمعات ضاغطة بسبب بعض التصرفات الشائعة التي تترك آثاراً نفسية قوية على صحتهم النفسية.

تؤكد هدى زين، مدربة رؤية مختصة باللياقة العاطفية والإرشاد الأسري، أن هذه التصرفات قد لا تصدر عمدًا لكنها تحتاج مراجعة، فبالنظر إلى الصحة النفسية لا تأتي الضغوط دائماً من الأحداث الكبيرة بل من التفاصيل الصغيرة المتكررة التي قد تبدو عادية اجتماعياً لكنها تحمل رسائل نفسية قوية.

وتوضح زين أن التصرفات المؤذية للشباب ليست دائماً مقصودة، لكنها تستدعي إعادة نظر، وتؤكد أن الضغط قد ينشأ من تفاصيل يومية معتادة يمكن أن تساهم في إحساس الشاب بالضغط. وتذكر أن الحديث عن هذه التصرفات يساعد العائلة على تحويل اللقاءات إلى مساحات راحة ودعم لا إلى مصادر توتر.

الأسئلة التقييمية المتكررة

ترى زين أن أحد أكثر التصرفات شيوعاً هو الأسئلة التقييمية المتكررة التي تُطرح في اللقاءات العائلية عن العمل والدخل والزواج، فهذه الأسئلة رغم ظاهرها كاهتمام قد تتحول إلى تجربة نفسية ضاغطة عندما تُطرح بشكل يقارن أو يستجوب. وتوضح أن الشاب الذي يمر بمرحلة بحث عن مساره المهني أو إعادة بناء حياة قد يشعر بأن اللقاءات العائلية تتحول من مساحة للراحة إلى مساحة لتقييمه والحكم عليه، ما يولّد داخله شعوراً بالنقص قد يصل إلى اعتبار قيمته مرتبطة بما أنجزه فقط لا بما هو عليه كإنسان.

المقارنات الاجتماعية

نعاني من المقارنات سواء الرقمية على مواقع التواصل أو في التجمعات الاجتماعية، وهذا التحول يجعل اللقاءات كابوساً حين تكون المقارنات غير واعية. قد يقال للشاب خلال الزيارات: “فلان تزوج قبلك” أو “فلان نجح في عمله بسرعة” أو “ابن عمك اشترى بيتاً”. وهذه المقارنات، حتى وإن جاءت بنية عفوية، تضرب ركيزة التوازن النفسي وهي الإحساس بالتفرّد في المسار، وعندما يشعر الشاب بأن مساره يقاس دوماً بمسارات الآخرين، تبدأ عيناه الداخلية في تسجيل شعور دائم بالضغط والتأخر، حتى لو كان يمضي وفق ظروفه وقدراته.

المزاح الذي يتجاوز حدود الحساسية النفسية

قد يعتمد المزاح الجارح كطريقة تعبير عن الود، لكن هذا السلوك يحذر منه عندما يطال الوزن أو المظهر أو نمط الحياة، فحتى لو قُدم كدعابة عائلية فإن العديد من الشباب يلمس جروحاً مرتبطة بصورة الذات والقبول الاجتماعي. ويؤكد أن جيل الشباب اليوم يعيش تحت ضغط معايير الجمال والنجاح المنتشرة عبر وسائل التواصل، وعندما تضيف تعليقات عائلية ساخرة—even إن لم تكن مقصودة—فإنها تعزز مشاعر الخجل أو النقد الذاتي القاسي.

تجاهُل العالم العاطفي للشباب

يُلاحظ غالباً تجاهل العالم العاطفي للشباب في التجمعات، حيث يسود اعتقاد بأن الجميع يجب أن يكونوا سعداء دائماً، لكن الواقع يختلف لدى الشباب. عندما يظهر شاب متعباً أو صامتاً أو غير مندمج، قد يُقابل بتعليقات مثل: “لماذا أنت حزين؟” وتُظهر هذه الرسائل أن المشاعر غير مقبولة، في حين أن الصحة النفسية تقوم على الاعتراف بالمشاعر لا على قمعها أو إنكارها.

الضغط للمشاركة الاجتماعية

يُكرِّر الأهالي الخطأ نفسه حين يفرضون حضور تجمّع عائلي لا يروق للشاب، فالتنقل بين زيارات متعددة والتوقع الدائم للحضور والتفاعل يستهلك الجهاز العصبي لدى الأكثر حساسية، خصوصاً الذين يمرون بمرحلة ضغوط نفسية. وتحذر المدربة من عدم احترام حاجة الشاب للراحة أو الانسحاب المؤقت لأن ذلك قد يُفهم كقلة احترام أو عدم اهتمام بالعائلة، وهو ما يفاقم الإجهاد العاطفي لديه.

ما الذي يحتاجه الشباب فعلاً؟

تؤكد زين أن التصرفات السابقة ليست دائماً مبنية على نية سيئة، وتدعو إلى إدخال اللياقة العاطفية داخل العائلة. فبفهم اللياقة العاطفية في الأسرة لا يعني التهرب من الحديث أو الاهتمام، بل اختيار طريقة التعبير عن هذا الاهتمام. فالسؤال الداعم يختلف كثيراً عن السؤال الضاغط، والمزاح اللطيف يختلف عن المزاح الذي يلمس نقاط الضعف، والفضول الصحي يختلف عن التدخل في المسار الشخصي. وتحدد احتياجات الشباب في الأمان العاطفي والقبول غير المشروط والمساحة للنمو بطريقتهم الخاصة.

عندما يتحقق ذلك، يمكن لأي مناسبة اجتماعية أن تكون مصدر بهجة، ليس فقط مناسبةً للفرح الظاهر بل مساحة لإعادة شحن الروابط الإنسانية التي تمنح الإنسان القوة الداخلية ليستمر في رحلته بثقة واتزان.

شاركها.
اترك تعليقاً