يؤكد النص أن صلاة الجمعة فرضها الله تعالى عند وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في الهجرة الأولى، وتثبت فرضيتها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُم خَيْرٌ لَّكُم إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وتوضح هذه الآية أن المسارعة إلى الصلاة وترك ما يشغل عن ذكر الله من التجارة من مقتضى الإيمان. وبالتالي يصبح المسلم مطالبًا بأداء صلاة الجمعة في وقتها والالتزام بخطبتها وترتيلها، بعيدًا عن التهاون أو التأخير.
وتتضمن السنن المستحب فعلها يوم الجمعة عدداً من الأعمال، مثل الاغتسال والتطيب وقراءة سورة الكهف والتحري لساعة الإجابة، ولبس أحسن الثياب، وكثرة الصلاة على النبي، والتبكير إلى المسجد، والتسوك. وتهدف هذه الأعمال إلى تعظيم يوم الجمعة وتقوية الروحانية فيه وتسهيل الدخول في حالة الخشوع عند سماع الخطبة والصلاة. كما يجب أن يلتزم المسلم بهذا البرنامج بما يحقق الانضباط والاستعداد الذهني والبدني لهذه العبادة المميزة.
السنن قبل الجمعة وبعدها
واتفق العلماء سلفًا وخلفًا على مشروعية سنة الجمعة القبلية واستحبابها، ووردت مواقفها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجماعة من الصحابة والسلف الصالح رضى الله عنهم. ولا يجوز القول بتحريمها أو بدعويتها، بل هي من السنن المؤكدة عند الجمهور، وتetrize على ذلك أحكام متعددة بحسب الاجتهاد. والنتيجة أن القول بأن هذه السنة مكروهة أو مستحدثة باطل عند أهل العلم، بل هي من التمسك بالسنة والعمل بها.
القول الأول يرى أن للجمعة سنة قبلية راتبة، وهو قول الحنفية، ويؤيده الشافعية في أقوى الوجهين، كما يرى الحنابلة في إحدى الروايات، وهو من أقوى الاتجاهات عند كثير من العلماء. عند هذا القول تكون السنة القبلية أربع ركعات قبل الظهر، وأربع قبل الجمعة، وأربع بعدها بتسليمة واحدة. القول الثاني يرى أن أقل السنة قبلها ركعتان وبعدها ركعتان، وهو مذهب المالكية وفي إحدى الروايتين عند الحنابلة، وهو اتجاه آخر معتبر في الاجتهاد. أما المالكية فليس عندهم رواتب محدودة مع الصلوات المكتوبات، ويجوز التنفل المطلق قبل الجمعة. كما يذهب بعض الحنابلة إلى أن السنة قبل الجمعة يجوز أن تكون ركعتين فقط أو أربعًا بحسب الرواية المختارة، وهو موقف يبيّن تفاوت الأقوال في المسألة.
وأما النفل المطلق قبل الجمعة، فهو بلا خلاف جائزة ومسنونة، حيث ورد في الأحاديث النبوية ما يدل على استحبابه وتفضيله إذا توافرت شروطه من غسل وتطيب وتلاوة، ثم حضور الصلاة وترك الفاصل بينهما أثناء الخطبة. وتؤكد هذه الأحاديث أن الفاضل من أعمال الجمعة يبدأ بغسل اليوم ثم الخروج إلى المسجد والإنصات للخطبة والصلاة مع الإمام، وبذلك يُغفر للمصلّي ما بين الجمعة والأخرى. كما وردت أحاديث تبين أن من اغتسل ثم أتى الجمعة وصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفتر لقبته، وغفر له ما بين الجمعة الأولى والآخرة، وهذا يبين فضل النوافل المطلق قبلها وما ينتج عنه من الثواب.
أما السنة القبلية الراتبة للجمعة فقد اختلفت أقوال العلماء فيها، فبعضهم يرى وجود أربع ركعات قبل الجمعة وأربع بعدها كما تقدم، وهو قول يمثل اتجاهًا قويًا عند الحنفية والشافعية في أقوى رواياتهم، إضافة إلى ما ورد في رواية عند الحنابلة. بينما يقول آخرون بأن أقل ركعتين قبل الجمعة وركعتان بعدها كالتعبير عنه، وهو قول المالكية وأحد أقوال الحنابلة، مع أن بعض أهل الحنابلة يرون الاستحباب بصيغ مختلفة. ثم هناك فريق يرى أن للجمعة رَواتب محدودة وليست واجبة ثابتة، وهو موقف المالكية عند تأويلهم لآثار الرواتب والنافلة، مع استمرار جواز التنفل المطلق قبل الجمعة. وبناءً عليه فإن موقف الشيوخ والعلماء في الحنابلة يختلف بين من يرى السُّنة القبلية راتبة ومن يرى أنها مستحبة وليست راتبة ثابتة.


