أعلنت الدكتورة حنان حسن بلخى، المديرة الإقليمية لشرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية، أنها حضرت مؤخراً قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، التي تجمع الدول الأعضاء من إقليمي أفريقيا وشرق المتوسط ضمن إطار المنظمة. وأكدت أن النزاع المستمر والنزوح الواسع أدى إلى ضغوط هائلة على النظم الصحية في دول شرق المتوسط. كما أشارت إلى أن النقاشات كشفت عن تحول هيكلي في الصحة العالمية نتيجة التشرذم الجيوسياسي والأزمات الممتدة والتمويل الخارجي المتقلب. وشددت على أن هذا الواقع يفرض تعزيز المؤسسات الوطنية وتعميم التعاون المنظم بين المناطق ذات المخاطر المشتركة.
تحديات تمويل الصحة والاعتماد على المساعدات
أوضحت الدكتورة أن الدعم الإنمائي الرسمي لقطاع الصحة يشهد تراجعاً حاداً، حيث انخفض في 2024 بنحو 9% بالقيمة الحقيقية. وتوقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاضاً إضافياً في 2025 بنطاق 9–17%. وفي أجزاء من إقليم شرق المتوسط وبخاصة المناطق التي تشهد نزاعاً، تبقى الخدمات الصحية الأساسية تعتمد بشكل كبير على المساعدات الإنسانية الخارجية. هذه التطورات تزيد الحاجة إلى تعزيز المؤسسات الوطنية وتوسيع التعاون المنظم بين المناطق المعرضة للمخاطر الوبائية.
سيادة صحية كإطار مؤسسي
قالت بلخى إن السيادة الصحية تعني قدرة مؤسسية لا تقتصر على الإنتاج المحلي للقاحات أو الأدوية، بل تشمل تمويل وإدارة الخدمات الأساسية بشكل مستدام وتنظيم المنتجات الطبية. وتشمل الحفاظ على سلاسل إمداد مرنة وتوليد بيانات الرصد ومشاركتها والاستجابة لحالات الطوارئ دون انهيار النظام. وتبنى السيادة على وجود أنظمة قوية ومتماسكة تستطيع العمل عبر أزمات متعددة.
أزمات متداخلة وتداعياتها
تشهد منطقتا أفريقيا وشرق المتوسط أزمات متداخلة تشمل النزاعات والنزوح والصدمات المناخية والضغوط الاقتصادية وتفشياً متكرراً للأمراض. وفي العديد من الدول، أدى النزاع المستمر والنزوح إلى ضغوط هائلة على النظم الصحية، في حين تصبح المستشفيات ومراكز الرعاية الأساسية حجر الزاوية للاستقرار الاجتماعي. عندما تنهار هذه النظم، غالباً ما يتبعها زعزعة الاستقرار العام.
تآزر الاستجابات عبر الحدود والوقاية
يبيّن انتشار شلل الأطفال الترابط بين الأمن الصحي بين المناطق المختلفة، فبينما نالت إفريقيا شهادة خلو من شلل الأطفال البرّي، يبقى الانتشار المرتبط باللقاح مستمراً في بعض البلدان كالقرن الإفريقي واليمن. وكلما ضعُف التنسيق عبر الحدود بسبب انعدام الأمن أو حركة السكان أو تفاوت جودة حملات التحصين، ازداد خطر انتقال العدوى. تدعم منظمة الصحة العالمية التنسيق بين الوزارات في القرن الأفريقي واليمن لتعزيز الحملات المتزامنة وتحسين جودة الرصد ومعالجة الثغرات العملية.
رعاية صحية أولية وتعاون إقليمي
وأوضحت بلخى أن الرعاية الصحية الأولية تشكل الركيزة الأساسية للسيادة الصحية للملايين في أفريقيا وشرق المتوسط، لكنها تعاني من التجزئة وضعف التكامل عبر مراحل الحياة. وتشير إلى أن تبني خدمات متكاملة وتطوير الكوادر وأنظمة إحالة ولوحات بيانات شفافة يسهم في حماية السكان أثناء تفاقم الأزمات. وتؤكد أن تعزيز الرعاية الصحية الأولية يظل شرطاً أساسياً لإرساء أنظمة صحية أكثر صلابة ومرونة.
أطر التعاون وتبادل المعرفة
تعمل المنظمة والوكالات الإقليمية مثل المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها على تنسيق الدعم في الترصد والاستعداد للطوارئ وتطوير القوى العاملة وتعزيز الأنظمة في البلدان التي تشهد انتقالات عبر الحدود. وتشمل الجهود خاصةً منطقة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وممر البحر الأحمر الذي يصل إلى دول إقليم شرق المتوسط. ومن ثم يساهم التنسيق الإقليمي في تقليل التشتت وتعزيز القدرة الجماعية على مواجهة التهديدات الصحية العابرة للحدود.
مسارات الوصول إلى مسببات الأمراض وتقاسم المنافع
تسلط المفاوضات الجارية بشأن الوصول إلى مسببات الأمراض وتقاسم المنافع بموجب إطار جائحة WHO الضوء على صلة السيادة بالتعاون، ولفتت إلى أن الدول المتضررة من الجائحة تحتاج إلى إطار يراعي قدراتها التصنيعية المحدودة وسلاسل التوريد الهشة. وينبغي أن يربط الإطار بين سرعة تبادل مسببات الأمراض وتوزيع المنافع بشكل عادل ومتكافئ. ترى الدول الأعضاء في أفريقيا وإقليم شرق المتوسط أن المشاركة المنسقة في هذه المفاوضات أمراً حيوياً.
خلاصة: السيادة الصحية وتعاون مستدام
لا تعتبر أفريقيا وإقليم شرق المتوسط مناطق هامشية في حوكمة الصحة العالمية، بل هما مختبران رئيسيان لاختبار مرونتهما. فإذا تمكنت النظم الصحية من الصمود أمام الضغوط المتراكمة، تعزز هذه الدول قدرة العالم على مواجهة التهديدات الصحية العابرة للحدود. أما إذا تعثرت هذه النظم فقد يتطلب الأمر إعادة تصميم بنية الحوكمة العالمية وتبني سيادة صحية قائمة على قوة مؤسسية وتعاون إقليمي منظم ومستدام.


