إريكسون: الهوية النفسية معركة الوجود
يُعد بناء الهوية النفسية المهمة الأبرز خلال المرحلة العمرية بين 12 و20 عامًا وفق مفاهيم علم النفس، وتوضح فكرة أزمة الهوية أن هذه الفترة تمثل انتقالة لازمة ليحدد الشاب هويته ويثبت مكانه في المجتمع.
يرى إريكسون أن مرحلة الشباب تتضمن سعيًا للوصل بين الاهتمامات والقناعات والرغبات والتصورات الاجتماعية عنه، وتزداد فيها حدة الارتباك إذا لم ينجح في التوافق، وتسمى هذه الظاهرة ارتباك الدور، ما يجعل الشاب يتساءل عن مكانه الاجتماعي ويخشى الوقوع في الانسحاب أو التقليد.
يُعرِّف مفهوم الإخلاص بأنه القدرة على الالتزام بمجموعة قيم يسير عليها المجتمع، رغم وجود تناقضات في العالم من حولنا، وعندما يتحقق الإخلاص يشعر الشاب بمعنى وهدف واضحين يوجهانه في حياته.
مارسيا: الاستكشاف والالتزام كعمران الهوية
يسعى جيمس مارسيا إلى تحويل أفكار إريكسون إلى نموذج عملي يساعد الشباب على تحديد هويتهم النفسية من خلال بُعدين رئيسيين هما الاستكشاف والالتزام، وبناءً عليهما يصف الأربع حالات يمر بها المراهقون والشبان.
تشتت الهوية
يظهر من الطبيعي أن يمر الشاب في هذه المرحلة بتشتت حيث يستكشف البدائل دون اختيار محدد، ولا يفكر في المستقبل كثيرًا ويعيش يومه دون أهداف واضحة، ما قد يؤدي لاحقًا إلى فراغ داخلي.
انغلاق الهوية
يظهر حين يتبنّى الشاب هوية جاهزة دون استكشاف بدائل، غالبًا تكون من نتيجة الضغوط أو التوقعات الأسرية، وتبقى الهوية هشة لأنها لا تعبر عن اختيار واعٍ ومُعمَّق، ما قد يسبب أزمة هوية مبكرة.
تأجيل الهوية
يتسم هذا الوضع بالبحث المستمر والتجربة المفتوحة، حيث يحاول الشاب قراءة ميوله والتعرف على مجالات مختلفة، لكنه لم يلتزم بقرار نهائي بعد، ومع أنه يثير القلق إلا أنه خطوة ضرورية نحو هوية حقيقية.
تحقيق الهوية
يلتزم الشاب بفئة من القيم والالتزامات بعد فترة من الاستكشاف والتجربة، فيتحدد مساره المهني والإنساني ويكون أكثر قدرة على مواجهة أزمات الحياة بثقة ومرونة.
تحديات تواجه الهوية النفسية للشباب
يواجه الشباب في عصرنا الحديث تحديات ضخمة مرتبطة بالعالم الرقمي والتطور التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية، فتفرض عليهم صورًا مقنَّعة من الواقع وتؤثر على طريقة بناء الهوية.
تظهر الضغوط الاجتماعية عبر الشبكات الاجتماعية التي تمكّن من استعراض الصورة وتقلل من العمق، ما يدفع الكثيرين إلى تبني هويات سطحية تحاكي المشاهير بدلاً من اكتشاف ذواتهم الداخلية، وتؤدي هذه الضغوط إلى قلق واكتئاب متزايد.
تصير الوفرة في الخيارات المهنية والفكرية على الهواتف الذكية سببًا في التشتت المستمر وخوف الشاب من فقدان مسارات أخرى، وهو ما يعرف بتأثير فومو مما يجعل الالتزام بمسار واحد صعبًا في بعض الأحيان.
خارطة طريق لبناء هوية نفسية متوازنة
ابدأ بتقبل الحيرة كعلامة صحية تدل على أنك تبحث وتتمرن على الاستقلال، وليست فشلاً شخصياً.
نوّع تجاربك الدراسية والعملية من خلال المشاركة في العمل التطوعي وتعلم مهارات جديدة وقراءة في مجالات مختلفة عن مجالك، ما يساعدك على توسيع آفاقك وتحديد اتجاهاتك بشكل أعمق.
قلل من المقارنات الرقمية واعلم أن ما تشاهده على الشاشات ليس سوى نسخة معدلة من حياة الآخرين، فالهُوية تتشكل من الجوهر وليست من الصورة.
ابحث عن قيمك الأساسية مثل الصدق ومساعدة الآخرين والإبداع، وتأكد أن الهوية المتينة تبنى على التزامٍ حيّ بقيمك الإنسانية والمهنية أكثر من الاعتماد على مناصب قد تتغير.


