بعد أكثر من قرن على تشتت هذه اللوحات في أصقاع العالم، استطاع المتحف النيويوركي جمعها لأول مرة، وهي إحدى عشر لوحة فنية نفذها الرسام بين عامي 1898 و1911 مع قطع فنية أخرى مثل صحن من الطين وآخر من السيراميك.

     تمثل هذه اللوحات سلسلة من اللوحات التي أطلق عليها “السمفونية الذاتية” التي نفذها في الأستوديو الأحمر. وقد أشاد بها الكاتب ميشيل بوتور، وكتب الناقد ديريك جارمان في كتاب “كروما”: “كانت جدران ستوديو ماتيس رمادية، لكنه تجاهلها، واحتفل بالقرن الجديد بضجة كبيرة، متخيلًا الجدران الحمراء في أتيليه أحمر اللون آنذاك.

    في هذه اللوحة، والغرفة وجميع الأثاث مذابة باللون القرمزي – وكأنها مشبعة بهذا اللون”. فالأعمال الفنية التي رسمها الفنان ماتيس هي لوحات زيتية على قماش. إذا لم يكن الفنان ماتيس موجودًا جسديًا في لوحاته، فهو يجول في كل مكان بإبداعه.

     تقول آن تيمكين، المنسقة الرئيسية للرسم والنحت في متحف الفن الحديث: “هذه اللوحة تجسد ذات الفنان”، وهي طريقة أخرى لرسم صورة ذاتية. عندما انتقل الرسام إلى إيسي ليه مولينو عام 1909، كان على وشك بلوغ سن الأربعين، يعيش ويعمل في باريس في منطقة مونمارتر، لكن بيع المبنى أجبره على البحث عن مكان آخر وفر له مساحة كافية لتصميم اثنتين من لوحاته المستقبلية “الرقصة” والموسيقى” والتي سيشتريها منه رجل الأعمال الروسي سيرجي شتشوكين.

    رسومات ما أطلق عليه “الأستوديو الأحمر”، استخدم فيه اللون الأحمر في تألقه وابداعه في هذا اللون، لم يسبقه أحد إلى ذلك، بل وأثر على العديد من الفنانين.

    رسم هذه اللوحات في عام 1911 زيت على قماس بأحجام 180 / 220 سنتم. وقد تأثر في هذه اللوحات بالفن الإسلامي التقليدي أثناء زيارته إلى إسبانيا، لذلك نراه يستخدم الكثير من الزخرفة والزركشة والفسيفساء وتصويره الفضاء المحيط باللوحة.

     تم تجميع هذه اللوحات مع ثلاثة لوحات أخرى رسمها في السنة ذاتها عند بؤرة الرسم الغربي، حيث الفن الكلاسيكي يمثل طابعًا تمثيليًا للماضي. فالعناصر التي جمعها ماتيس تعبر عن هويته الفردية، وأصبحت تأملاً مطولاً في الفن والحياة والفضاء والوقت، والإدراك والطبيعة والواقع، أي أنه رسم الحقائق الشخصية التي يعرفها معرفة جيدة.

     تتميز هذه اللوحات بروح الخداع الذي يوحي بالأبعاد الثلاثة رغم أنها لوحات مسطحة، وهذا ما أثر على مفهوم المنظور في اللوحة، أي يمكن للمتفرج أن ينظر إلى لوحاته من جميع الجهات كأننا نتعامل مع نص أدبي مكتوب على لوحة بحيث تظهر تكوينات اللوحة وعناصرها من الخطوط والألوان.

    ونرى في اللوحات أدوات الرسم مثل صندوق الأقلام أو الفحم على الطاولة أو غيرها. كما تحتوي لوحاته على مواد الفنان من صور ومناظر الطبيعية ونافذة للإضاءة ومزهرية وكرسي ومنحوتات أخرى.

     في اللوحات هذه تتداخل الألوان الأحمر والأزرق والرمادي.

    شكلت تلك اللوحات في حينها حدثًا فنيًا لما تميزت به من ابداع فني، لم يكن أحد يتخليه في لوحات الفنانين السابقين، واللوحات تبدو كأنها جزء من الجدار، وتتداخل معه بطريقة متداخلة، حيث يتم تعليق الكائنات والعناصر التي اختارها الرسام ماتيس لتعليقها من أجل أن تجسد الأفكار التي كانت تدور في ذهنه آنذاك، بطريقة تجريدية لا تشبه الأنماط التجريدية التي كانت سائدة في وقته، لذلك ازدادت أهميتها مع الزمن.

    شارك.